د. فيروز الولي تكتب:شعوب لا تنكسر… أم أنظمة لا تشبع؟ حين تتحول المعاناة إلى ديكور للزعيم

من ساحة العروض إلى ساحات صنعاء، تتكرر الجملة ذاتها كأنها نشيد محفوظ: «شعب شامخ… لا ينكسر»
لكن السؤال الذي يرفض الهتاف الإجابة عليه: كيف لا ينكسر شعب بلا ماء، بلا كهرباء، بلا راتب، بلا أمان، وبلا دولة؟
كيف يبقى شامخًا وهو يعيش منذ سنوات تحت القمع، الجوع، السجون، والخوف، بينما يُطلب منه أن يبتسم للكاميرا ويهتف لزعيمٍ أنهكه الزمن وأمراضه أكثر مما أنهكته مسؤولية شعبه؟
هذا ليس مقالًا ضد الناس… بل نيابةً عن الناس ضد من يتاجرون بصبرهم.
أولًا: التحليل النفسي – متلازمة القطيع المرهق
ما يحدث ليس وعيًا جمعيًا بقدر ما هو تكيف نفسي قاسٍ مع القهر.
الشعب الذي يُحرم من أساسيات الحياة يُدفع نفسيًا إلى أحد خيارين:
إما الانفجار
أو التماهي مع القامع بحثًا عن وهم الأمان
الهتاف هنا ليس قناعة، بل آلية دفاع نفسي:
“إن صرختُ معهم، فلن أُعتقل…
إن صفقتُ للزعيم، فلن أُتهم بالخيانة.”
ثانيًا: التحليل الاجتماعي – تطبيع البؤس
في اليمن، شمالًا وجنوبًا، تم تطبيع المعاناة:
لا كهرباء؟ طبيعي
لا رواتب؟ اصبر
سجون؟ أمن
قمع؟ حماية وطن
أخطر ما حدث أن الحرمان تحوّل إلى فضيلة،
والصبر إلى أداة سياسية لإدامة الفشل.
ثالثًا: التحليل الثقافي – صناعة الأسطورة بدل الدولة
بدل بناء دولة، جرى بناء أسطورة الزعيم:
الزعيم المنقذ
الزعيم الحكيم
الزعيم الذي “لولا هو لانتهى الوطن”
ثقافة الشخصنة هذه قتلت فكرة المؤسسات،
وأبقت الشعوب أسرى صورة رجل واحد، مهما بلغ من العمر عتيًا، ومهما تراكمت أمراضه السياسية قبل الجسدية.
رابعًا: التحليل السياسي – مسيرات بلا سياسة
المسيرات ليست مشاركة سياسية،
بل مسرحيات ولاء.
لا برامج.
لا محاسبة.
لا تداول.
فقط إعادة إنتاج السلطة نفسها،
بالوجوه نفسها،
والأخطاء نفسها،
والنتيجة نفسها: دولة معلّقة في الهواء.
خامسًا: التحليل الاقتصادي والمالي – شعب فقير ونظام يتغذى
الاقتصاد اليمني اليوم اقتصاد:
جبايات
إتاوات
مساعدات تُنهب
رواتب تُستخدم كورقة ضغط سياسي
المال لا يُدار لبناء حياة،
بل لشراء الولاءات وإدامة السيطرة.
سادسًا: التحليل العسكري والأمني – دولة السجن الكبير
حين تنتشر المعتقلات أكثر من المدارس، وحين يصبح السلاح لغة السياسة، فأنت لا تحمي وطنًا…
أنت تحرس نظامًا خائفًا من شعبه.
الأمن هنا لا يعني الأمان،
بل ضمان الصمت.
سابعًا: التحليل الإعلامي – ماكينة التزييف
الإعلام الرسمي والتابع:
يمجد الجوع
يقدس الصبر
يخوّن السؤال
ويصنع من الهتاف إنجازًا
بينما الحقيقة على الأرض:
شعب يعيش على الحد الأدنى من الحياة
ونخبة تعيش على الحد الأقصى من الامتيازات
ثامنًا: التحليل القانوني والدستوري – دولة بلا عقد اجتماعي
أي دولة تُبنى على:
الاعتقال خارج القانون
تغييب القضاء
تعليق الدستور
حكم الأمر الواقع
هي سلطة أمر واقع، لا دولة.
الشرعية لا تُستمد من المسيرات،
بل من كرامة المواطن وحقوقه.
الخاتمة:
الشعوب اليمنية ليست شامخة لأنها تهتف…
بل لأنها ما زالت حيّة رغم كل شيء.
لكن الخطر الحقيقي: أن يُطلب منها إلى الأبد أن تموت بصمت
كي يعيش الزعيم في الصورة.
الوطن لا يُختزل في شخص،
ولا يُدار بالأغاني،
ولا يُبنى بالمسيرات.
الشعب الذي لا ينكسر…
يستحق دولة لا تكسره.