كتاب وشعراء

من يكتب المعنى….بقلم ربا رباعي/الاردن

القارئ شريكًا في النص من البلاغة العربية إلى فوضى الحواس

لم يعد النص الأدبي، في وعينا النقدي الحديث، كيانًا مكتفيًا بذاته، ولا رسالة مغلقة تنتظر قارئًا يفك شيفرتها ثم يمضي. المعنى اليوم لم يعد مستقرًا في النص، بل صار حدثًا يولد أثناء القراءة، في تلك المنطقة الحسّاسة التي تلتقي فيها اللغة بتجربة القارئ، والصوت بذاكرته، والبلاغة بحساسيته الجمالية.
السؤال الجوهري لم يعد: ماذا قال النص؟
بل: كيف جعلني النص أشارك في قول ما قاله؟
البلاغة: من الزينة إلى التوجيه
البلاغة ليست ترفًا لغويًا ولا حليّة أسلوبية، بل أداة توجيه خفيّة. إنها الطريقة التي يقود بها النص قارئه دون أن يسلبه حريته. فاللغة البليغة لا تقول كل شيء، بل تعرف متى تصمت، وأين تترك فراغًا، وكيف تثير السؤال بدل أن تقدّم الجواب.
هذا ما وعاه عبد القاهر الجرجاني مبكرًا حين جعل البلاغة قائمة في النظم، أي في العلاقة بين الألفاظ، وفي الأثر الذي تخلقه في نفس المتلقي. فالكلمة لا تكون بليغة في ذاتها، بل بما تُحدثه من توتر، وانتظار، وانفعال.
القرآن: المعنى يُستدعى ولا يُفرض
في الخطاب القرآني، لا يُلقَّن المعنى، بل يُستدرج.
حين يقول تعالى:
﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾
لا يشرح، ولا يفسّر، ولا يعلن المقصود مباشرة. إنما يضع القارئ أمام صورتين متقابلتين: الامتداد الضوئي، والسكون الليلي. المعنى يتشكّل عبر الإيقاع، والمدّ الصوتي، والتوازن بين الحركة والسكينة. القارئ هنا ليس متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في بناء الدلالة.
الشعر: الاقتصاد اللغوي واتساع المعنى
الشعر العربي يدرك هذه اللعبة البلاغية بذكاء.
في قول المتنبي:
الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني
والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
التعداد ليس حشدًا اعتباطيًا، بل بناء بلاغي قائم على الجمع بين المتقابلات: السيف/القلم، الحرب/الكتابة. المعنى لا يُقال صراحة، بل يُركّب في ذهن القارئ.
ويبلغ هذا الاقتصاد اللغوي ذروته عند محمود درويش:
على هذه الأرض ما يستحق الحياة
كلمة واحدة مبهمة – «ما» – تفتح أفقًا تأويليًا شاسعًا. هذا الغموض ليس نقصًا، بل قوة بلاغية، لأنه يستدعي تجربة القارئ الخاصة ليُغلق الدلالة بطريقته.
فوضى الحواس: بلاغة الانزياح ومراهنة القراءة
في فوضى الحواس، لا تكتفي أحلام مستغانمي بسرد حكاية، بل تبني نصًا يقوم على الانزياح:
انزياح عن السرد الخطي،
وعن الجملة التقريرية،
وعن العلاقة المستقرة بين الدال والمدلول.
اللغة هنا مشحونة بالإيقاع والاستعارة، تجعل القارئ في حالة انتباه دائم. الجملة غالبًا ما تنتهي قبل أن تستقر دلالتها، وكأن الكاتبة تتعمّد ترك القارئ في منطقة معلّقة.
تقول:
«نحن لا نختار من نحب، بل نُفاجأ به»
بلاغيًا، تقوم الجملة على المفارقة بين الاختيار والمفاجأة. لا تقدّم تعريفًا للحب، بل تفتح باب الذاكرة الشخصية للقارئ: تجاربه، صدماته، خساراته. المعنى هنا لا يُعطى، بل يُستدعى.
وتقول في موضع آخر:
«الحب هو أن ترى الأشياء مرّتين، مرّة بعينيك، ومرّة بقلبك»
الازدواج البلاغي (العين/القلب) لا يشرح، بل يُصوّر. القارئ لا يفهم الفكرة فقط، بل يشعر بها، لأن البلاغة هنا حسّية قبل أن تكون فكرية.
الصوت: حين يصنع الإيقاع المعنى
لا يمكن فصل فوضى الحواس عن بعدها الصوتي. الإيقاع الداخلي للجمل، التكرار، الوقفات المفاجئة، كلها عناصر تجعل النص يُسمَع بقدر ما يُقرأ. هذا الإيقاع لا يزيّن المعنى، بل يضبط انفعال القارئ، ويبطئ القراءة، ويدفع إلى إعادة التأمل.
الصوت هنا شريك في إنتاج الدلالة، لا تابع لها.
خاتمة: المعنى تجربة لا خلاصة
من البلاغة العربية، إلى القرآن، إلى الشعر، وصولًا إلى فوضى الحواس، يتأكد أن المعنى ليس حقيقة جاهزة نكتشفها، بل تجربة نعيشها.
إنه يولد حين يلتقي:
نص يعرف كيف يلمّح،
ولغة تعرف كيف تنزاح،
وقارئ مستعد لأن يشارك لا أن يستهلك.
وهكذا، لا يعود السؤال: ماذا قال النص؟
بل: ماذا فعل النص بي؟ وكيف شاركتُ أنا في صنع معناه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى