اتهامات تهز قمة الجيش الصيني: تحقيق مع أكبر جنرال بتسريب أسرار نووية لواشنطن وتلقي رشى

تواجه القيادة العسكرية الصينية واحدة من أخطر أزماتها منذ عقود، بعد اتهام الجنرال الأرفع رتبة في البلاد تشانغ يوشيا بتسريب معلومات تقنية جوهرية تتعلق ببرنامج الصين للأسلحة النووية إلى الولايات المتحدة، إلى جانب الاشتباه بتلقيه رشى مقابل قرارات رسمية شملت ترقية ضباط إلى مناصب حساسة، بينها الدفع بواحد منهم إلى منصب وزير الدفاع، بحسب أشخاص مطلعين تحدثوا لوول ستريت جورنال.
وجاءت الإحاطة — التي عُقدت صباح السبت بحضور عدد من أعلى قادة الجيش — قبيل إعلان وزارة الدفاع الوطني الصينية فتح تحقيق مع تشانغ، الذي كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره أحد أكثر الحلفاء العسكريين قربًا وثقة لدى الرئيس شي جين بينغ. واكتفى بيان الوزارة بالإشارة إلى الاشتباه في “انتهاكات جسيمة” لانضباط الحزب وقوانين الدولة، دون الخوض في التفاصيل.
غير أن مصادر مطلعة على الإحاطة — التي لم يُكشف عنها إعلاميًا من قبل — قالت إن التحقيقات تتناول مزاعم بتشكيل تشانغ “تكتلات سياسية”، في إشارة إلى بناء شبكات نفوذ تقوض وحدة الحزب، إضافة إلى إساءة استخدام صلاحياته داخل “اللجنة العسكرية المركزية”، وهي أعلى هيئة لاتخاذ القرار العسكري في الحزب الشيوعي.
وبحسب تلك المصادر، تركز السلطات أيضًا على دور تشانغ في الإشراف على جهاز شديد النفوذ مسؤول عن البحث والتطوير وعمليات شراء العتاد العسكري، وسط شبهات بأنه تلقى مبالغ مالية ضخمة مقابل تسهيل ترقيات في منظومة المشتريات العسكرية ذات الميزانيات الكبرى.
وأشارت المصادر إلى أن أخطر ما طُرح خلال الإحاطة المغلقة كان اتهام تشانغ بتسريب “بيانات تقنية أساسية” عن السلاح النووي الصيني إلى الولايات المتحدة.
وقالت المصادر إن جزءًا من الأدلة في ملف تشانغ جاء من تحقيقات مع قو جون، المدير العام السابق لشركة “المؤسسة الوطنية الصينية للطاقة النووية”، وهي شركة مملوكة للدولة تشرف على البرامج النووية المدنية والعسكرية في الصين. وكانت بكين أعلنت قبل أيام فتح تحقيق مع قو بتهم تتعلق بانتهاكات جسيمة لانضباط الحزب والقانون.
وخلال إحاطة السبت، قال مسؤولون إن التحقيق مع قو كشف صلة محتملة بين تشانغ وخرق أمني في القطاع النووي، من دون تقديم تفاصيل إضافية حول طبيعة ذلك الخرق.
ولم يتسن الوصول إلى تشانغ (75 عامًا) ولا إلى قو للتعليق. وفي بيان لصحيفة “وول ستريت جورنال”، قال المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن ليو بينغيو إن قرار الحزب التحقيق مع تشانغ يعكس التزام القيادة “نهجًا شاملًا وبلا تسامح” لمكافحة الفساد.
ويرى محللون أن حملة شي الأخيرة ضد الفساد وعدم الولاء داخل الجيش قد تمثل أشد تفكيك لطبقة القيادة العسكرية منذ عهد ماو تسي تونغ، خاصة أن تشانغ يعد من “أمراء الحزب” — أبناء أو أحفاد رموز الثورة وكبار مسؤولي الحزب — كما أن والده قاتل إلى جانب والد شي خلال الحرب الأهلية الصينية التي انتهت بتأسيس الصين الشيوعية عام 1949.
وقال كريستوفر جونسون، رئيس “مجموعة استراتيجيات الصين”، إن “هذه الخطوة غير مسبوقة في تاريخ الجيش الصيني وتمثل إبادة كاملة للقيادة العليا”.
وربطت الإحاطة الداخلية أيضًا سقوط تشانغ بدوره في ترقية وزير الدفاع السابق لي شانغفو، إذ تزعم التحقيقات أنه ساهم في رفعه مقابل رشى كبيرة. وكان لي قد اختفى من المشهد العام في 2023، ثم أُقيل لاحقًا من منصبه، قبل أن يطرده الحزب في العام التالي على خلفية قضايا فساد، وفق ما أفادت المصادر.
وفي مؤشر على اتساع نطاق التحقيق، قالت مصادر مطلعة إن شي كلّف فريق عمل بإجراء تحقيق معمق في فترة تولي تشانغ قيادة “منطقة شنيانغ العسكرية” بين 2007 و2012، وإن الفريق وصل بالفعل إلى مدينة شنيانغ شمال شرقي البلاد، واختار الإقامة في فنادق محلية بدلًا من قواعد عسكرية، في خطوة بدت مصممة لتقليل احتمالات وجود شبكة دعم داخل المؤسسة العسكرية.
وأضافت المصادر أن السلطات صادرت أجهزة هواتف من ضباط تدرجوا في المناصب تحت قيادة تشانغ، وكذلك ضباط على صلة بالجنرال ليو تشنلي رئيس هيئة الأركان المشتركة، الذي أُعلن بدوره فتح تحقيق معه السبت، ما يفتح الباب أمام توسيع نطاق الاستهداف ليشمل آلافًا من الضباط المرتبطين بالشخصيتين.
ويمثل سقوط تشانغ ولِيو توسعًا لجهود شي المستمرة منذ سنوات لتطهير الجيش من ضباط يُنظر إليهم على أنهم فاسدون أو غير موثوقين سياسيًا. ويرى جونسون أن استهداف شخصية بحجم تشانغ — رغم قربه السابق من شي — يكشف أن حملة الرئيس ضد الفساد لم تعد تعرف خطوطًا حمراء.
ويضيف محللون أن غموض النظام السياسي الصيني يجعل من الصعب حسم الدوافع الدقيقة وراء التخلص من حليف طويل الأمد، إذ لا تعكس الروايات الداخلية المقدمة لنخبة الحزب دائمًا الأسباب الكاملة أو الحقيقية وراء القرارات الكبرى.
ومع ذلك، فقد لمحت افتتاحية لصحيفة “جيش التحرير الشعبي اليومية” إلى البعد السياسي للقضية، متهمة تشانغ بأنه قوّض الأساس المؤسسي لسلطة رئيس “اللجنة العسكرية المركزية”. واعتبر لايل موريس، الباحث في “معهد آسيا سوسايتي بوليسي”، أن هذا الاتهام يوحي بأن تشانغ “امتلك نفوذًا يتجاوز الحدود التي يرسمها شي”.
وبحسب موريس، فإن إبراز الحزب لمثل هذا الاتهام يبعث برسالة تؤكد أن شي — بصفته رئيس اللجنة العسكرية المركزية — هو صاحب السلطة النهائية على القوات المسلحة. وأضاف أن إقصاء تشانغ يعكس ثقة شي في تثبيت قبضته على الجيش، “بوصفها علامة قوة لا ضعفًا”.
وتقول مصادر مطلعة على الإحاطة إن بكين تريد من خلال “قطع رأس” هيكل القيادة العسكرية توجيه تحذير بأن الفساد المستشري، وشبكات المحسوبية المتجذرة، وتسريب أسرار الدولة تُعد تهديدات وجودية لطموح شي في فرض السيطرة على تايوان.
لكن محللين آخرين يرون أن تفريغ المستويات العليا قد ينعكس سلبًا على الجاهزية والفاعلية القتالية، وربما يقلل على المدى القريب احتمالات شن غزو عبر مضيق تايوان، في وقت تبدو فيه بكين معنية أولًا بترتيب تفاهم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول تايوان، ضمن مفاوضات مرتقبة بين القوتين حول ملفات التجارة والأمن.
ومنذ صيف 2023، أطاح الحزب بسلسلة من كبار الضباط في الجيش والقوات الجوية والبحرية وقوة الصواريخ الاستراتيجية والشرطة شبه العسكرية، إلى جانب قيادات مسارح عمليات رئيسية، بينها القيادة المعنية بتايوان. ووفق إفصاحات رسمية راجعتها الصحيفة، فقد خضع أكثر من 50 ضابطًا رفيعًا ومسؤولًا في الصناعات الدفاعية للتحقيق أو أُقيلوا خلال العامين ونصف العام الماضية.
وبينما كانت “اللجنة العسكرية المركزية” تضم ستة أعضاء عسكريين محترفين عند بدء ولايتها الحالية في 2022، لم يتبق اليوم سوى ضابط واحد في الخدمة بالزي العسكري، هو الجنرال تشانغ شنغمين، الذي رُقي إلى منصب نائب الرئيس في أكتوبر فقط بعد إقصاء جنرال آخر كان يشغل الموقع. وعلى خلاف تشانغ يوشيا ولِيو تشنلي، فإن تشانغ شنغمين أمضى معظم مسيرته كمسؤول سياسي ومفتش انضباط، مكلفًا بفرض الولاء ورفع المعنويات.
وقال إم. تايلور فرايفل، مدير برنامج دراسات الأمن في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن “الفراغ في القمة غير قابل للاستمرار” بالنظر إلى حجم وتعقيد إدارة مؤسسة عسكرية كبرى، محذرًا من أن ذلك “سيؤثر بالضرورة” على جاهزية جيش التحرير الشعبي لتنفيذ عمليات عسكرية كبيرة ومعقدة على المدى القصير إلى المتوسط