كتاب وشعراء

الليلة فشلتُ في كتابة قصيدةٍ جيّدة…..بقلم محب خيري الجمال

الليلة
جلستُ أمام الورقة
كما يجلس رجلٌ أمام نافذةٍ لا تُفتح
وأنتِ في الجهة الأخرى من العالم
تكتبين وحدكِ
كأنكِ لا تحتاجين الهواء الذي أختنقُ به الآن.
لم أفشل لأن اللغة خانتني
ولا لأن الصور هجرت رأسي
أنا أعرف كيف تأتي الاستعارات
حين أكون أقلَّ احتياجا لها.
فشلتُ لأنني كنتُ أكتب إليكِ
وأنا لا أملك الجرأة
أن أقول إنني أريدكِ لا كقصيدة ولا كفكرةٍ لامعة
بل ككائنٍ يضع صوته قرب صوتي
ويترك الصمت يتكفل بالباقي.
الليلة لم أحتج الشعر لكي أبدو أعمق
ولا لكي أُقنع نفسي أنني ما زلتُ صالحا للحياة.
احتجتُه كما يحتاج رجلٌ متعب
كرسيا في مطبخٍ مضاء وشخصا يسأله:
هل أكلتَ اليوم؟
كنتُ أكتب وأتخيلكِ تميلين على طاولتك
تقصّين العالم إلى أسطرٍ قصيرة
وتتركين الزوائد على الأرض.
أعرف أنكِ تفعلين هذا ببراعة
كأنكِ وُلدتِ وفي يدكِ مقصّ اللغة.
أما أنا فكنتُ أجرّ الجمل جرا كأكياسٍ ثقيلة
لا أعرف ماذا أضع فيها ولا أين أتركها.
الليلة لم أرد أن أدهشكِ
ولا أن أكون الرجل الذي يفهم الشعر
أردتُ فقط أن أصل إليكِ دون أن أطرق
أن أقول:
أنا هنا بلا استعارة، بلا حيلة، بلا قناعٍ لغوي.
لكن القصيدة لم تأتِ
لأنها شعرت ربما أنني صادق أكثر من اللازم
أو عارٍ أكثر مما تحتمل الورقة.
أنتِ تكتبين لأن الكتابة بيتكِ
وأنا حاولتُ الليلة أن أستعير هذا البيت
فاكتشفتُ أن المفاتيح لا تعمل
إلا مع من يسكنه حقا.
لهذا فشلتُ في كتابة قصيدةٍ جيّدة
لأن القصيدة حين اقتربت شمّت احتراقي وتراجعت.
أنتِ تكتبين لأن النار تعرف اسمكِ
وتفتح لكِ طريقها
وأنا كلما حاولتُ أن ألمس اللهب احترقتُ بلا ضوء.
الليلة أدركتُ أنكِ لا تكتبين الشعر
بل تُشعلينه وتغادرين المكان
بينما يشتعل العالم خلفكِ ولا تلتفتين.
أما أنا فبقيتُ هنا رجلا يمسك رماده بيديه
ويفهم متأخرا
أن بعض النساء لا يُحببن
بل يقتلنك بهدوء، ثم يتركن العالم يحترق بدلا منك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى