رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : لماذا تأخر قدوم البرابرة؟

ــــ لماذا ننتظر كلنا، هنا في الميدان؟ لأن البرابرة يصلون اليوم. والآن؟ وبدون البرابرة، ما الذي سيحدث لنا؟ هؤلاء البرابرة كانوا حلا من الحلول* قسطنطين كافافايس، قصيدة: في انتظار البرابرة.
لقد أطلقوا علينا البرابرة عبر الحدود ولكننا لا نعرف متى يأتون وكيف خاصة وان الانتظار مرهق؟ لماذا نعمل ونبني بيوتا اذا كان البرابرة سيهدمونها؟
هذا الانتظار المملل والنظر عبر الصحراء في انتظار البرابرة جعل قادتنا كما في قصيدة كافافيس ” في انتظار البرابرة” يرتدون أفخر ثيابهم العسكرية ويذهبون الى الصحراء لتفقد الجيش ونقاط الحراسة والتقاط الصور وستكون فترة الانتظار فرصة لتعطيل القوانين والمشاريع خوفاً من قدوم البرابرة.
لو جاؤوا سيكونون حلاً من الحلول ولو لم يأت البرابرة سنواجه الحقيقة التي كنا نهرب منها دائماً في أن المشكلة فينا وليس من عدو سيأتي عبر الحدود. كانوا المبرر والذريعة للأخطاء.
سنكتشف اننا أسسنا حياتنا على فكرة” العدو” القادم عبر الحدود مع انه نائم في الداخل.
اذا لم يأت البرابرة سيكون الصراع مع أنفسنا. ثم ماذا نفعل بهذا الفراغ الهائل قبل قدوم البرابرة؟
قبل قدومهم نناقش كيف سنطعم هذا العدد الكبير من البرابرة وأين سيسكنون في أغرب نقاش بشري في التاريخ في تحويل المجرم الى سائح والذباح الى نزيل نخطط له مكان السكن والطعام والحراس والملابس .
هل هم ضيوف أم قتلة يمكن اصلاحهم ؟ نقاش أم سخرية؟ يتحول غزو القتلة عبر الحدود الى حوار لوجستي. اذا جاؤوا سينكسر ضجر الانتظار والمخاوف تصبح حقيقية. سينفذ القادة مشاريعهم تحت صدمة قدوم البرابرة لان كل الانظار ستتجه عبر الحدود.
اذا كانت ثقافتنا وجيشنا ودولتنا وقادتنا وقيمنا وتاريخنا لا يحمينا من قدوم البرابرة ونصاب برعب القدوم، فنحن كنا إكذوبة وهؤلاء البرابرة لن يغيروا شيئاً فينا بل سيخرجون أسوأ ما فينا من ضعف وهشاشة بين مرحب وخائف وصامت ومنافق ومتملق ومنتفع.
في الأزمنة القديمة كان البرابرة يأتون عبر الحدود من أعماق الصحراء والسراب لكن برابرة اليوم إختلفوا وصاروا يأتون من الداخل، من قلب الحشود.
كان كثيرون ينتظرون قدوم البرابرة كحل وعندما جاؤوا اكتشفوا ان الحشود في انتظارهم في احتفال كبير،
وتوجهوا فورا للمذابح وعكس برابرة قسطنطين كافافيس في قصيدته” في انتظار البرابرة” وعكس رواية جي إم كوتزي حامل نوبل” في انتظار البرابرة” لم يكونوا هم الحل بل كانوا المشكلة.
لم تكن رواية في انتظار البرابرة للروائي ج م كويتزي التي نشرت عام 1980
تناصاً مع قصيدة كفافيس بالعنوان نفسه فحسب،
بل كانت تناصاً خلاقاً أيضاً مع رواية الإيطالي دينو بوتزاتي نشرت في عام 1940: ” صحراء التتار” التي تحولت الى فيلم
عام 1976 سُمي “بصحراء التتار” للمخرج الإيطالي الكبير فاليرو زورليني.
ومن الواضح جداً للنقاد تأثير دينو على برابرة كويتزي لكن التناص في الأدب أمر مشروع وحسب رولان بارت: ” كل نص تناص” ،
وكما قال الشاعر أليوت: ” الأسد مجموعة خراف”
لأن قراءة الكتب تجربة حياة لا تختلف عن غيرها ورواية ماركيز الاخيرة” ذاكرة غانياتي الحزينات”
كانت تناصاً مع رواية” الجميلات النائمات” للياباني ياسوناري كواباتا،
وماركيز يعترف بذلك في انه حقق حلمه الطويل.
المشكلة في صحراء التتار تتمحور حول دروجو المنتظر للمجد والباحث عن معنى لحياته وتأتي اللحظة المناسبة كما ظن عندما ينتدب للحراسة في قلعة على تخوم الصحراء
في إنتظار برابرة أو تتار سيأتون يوماً عبر الحدود كي يحارب وينال المجد،
لكن لا شيء غير السراب والرمل والصحراء ولا أحد يظهر في الأفق،
لا برابرة ولا تتار كي يحقق دروجو حلمه،
وتمر عليه الأعوام وتزوج أصدقاء دروجو وعاشوا حياة مكتملة وسعيدة،
لكن دروجو في حالة إنتظار لعدو لن يأتي ومجد لن يتحقق في الانتظار،
ولكن في اللحظة الأخيرة يظهر التتار عبر الصحراء،
حين يسقط دروجو مريضاً وينقل للمدينة للعلاج ويموت في حانة رخيصة
وليس في ساحة حرب كبطل،
لقد جاءت فرصة المجد والحرية متأخرة بعد أن تحول الى أنقاض وحطام
ليس بسبب معركة حقيقية بل بسبب الانتظار الواهم والأمل الساذج.
ليست توقعات الانسان عن المستقبل تأتي متطابقة مع أحلامه
اذا كان عاجزا عن الفعل وقد تنقلب احلامه الى كوارث حين يعلق مصيره على احداث وأشخاص وتوقعات وعلى مصادفات وتمنيات سارة دون أن يكون سيداً على مصيره
بصرف النظر عن الثمن وأي ثمن يدفعه في الاختيار لا يعادل حياة معذبة مقرفة في انتظار العاجز.
هذه الرواية الآسرة التي تركت أثرا على كويتزي وظهرت في نصوص أخرى،
تبوح أكثر مما تعلن وتقول لنا بعبارات عميقة إن المجد لا يصنعه الإنتظار،
ومعنى الحياة لا يأتي من قلب السراب بل هو خلق وصناعة،
وكما في أعماق كل واحد منا حياة تنتظر التحقق والفعل بلا هذا الإنتظار اليائس والعاطل كحبة قمح في زجاجة ،
لكن في الوقت نفسه يوجد في أعماقنا أمثال دروجو يضيعون حياتهم في التحديق في صحراء الاوهام والسراب وفي ضباب الأيام كي يمنحوا حياتهم معنى،
وفي الواقع لا يفعلون شيئاً غير إنتظار الموت وفقدان المعنى وحياة لن تعوض: اليأس صناعة كذلك الأمل.
كثيرون أمثال دروجو يجلسون كل يوم في قلعة او غرفة او منزل،
ويحدقون في السراب عن ظهور معنى أو فرصة أو أمل مع ان التحديق الحقيقي الفعال داخل الذات وكما قال عالم النفس كارل يونغ:
” من لا ينظر الى الداخل، سيظل يبحث في الخارج ولن يجد شيئاً”.
الانتظار العاجز هو أسوأ أنواع اليأس لأن بعض اليأس يحرر ويدفع لمغامرة القفز والاكتشاف ويخلق شجاعة اليائس الخاسر كل شيء الذي لا يخسر شيئأ سوى عذابه.
لو جاء البرابرة سنقاتل حتى النفس الأخير لكن لو لم يأت هؤلاء سنكتشف أننا بلا أي مشروع سوى الأسئلة : لماذا نحن هكذا؟ لماذا الفقر والخوف والسرقة؟ مع الوقت ستظهر مخاوف جديدة لان البرابرة سيحتلون الخيال أيضاً وتتضخم الحكايات : كنا نخشى قدوم البرابرة ولكننا الآن نخشى غيابهم، ونخشى مواجهة أنفسنا، ونعود الى الصراعات القديمة.
عندما يتأخر قدوم هؤلاء سوف يتضخم الفراغ وسنخسر فرصة الحصول على المجد أو يصبح مصيرنا مصير دروجو الذي قضى حياته ينتظر قدوم البرابرة عبر الحدود لكنه مات في حانة رخيصة بلا مجد ولا حياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى