
لنتوقف قليلًا عن إدارة الخراب، ونجرب – ولو مرة – أن ندير الأمل. لنتخيل أن اليمن لم يعد ساحة تجارب للفشل، ولا مزرعة مغلقة للنخب المستهلكة، بل مشروع دولة حقيقي، بجدول زمني، ومساءلة صارمة، وإرادة لا تساوم. هذا ليس بيانًا حالمًا، بل تصورًا قابلًا للتنفيذ، إذا توفرت الشروط السياسية والدعم الإقليمي الصادق، والإرادة اليمنية الحرة.
هذا المقال لا يتحدث باسم حزب، ولا تيار، ولا نخبة. إنه يحاول أن ينقل حلم الشعب اليمني إلى العالم، حلم دولة طبيعية، لا أكثر.
أولًا: لحظة الصفر – كنس المشهد القديم
تبدأ أي عملية إنقاذ حقيقية باعتراف بسيط: المنظومة الحالية فشلت.
فشل البرلمان الذي تحوّل إلى ديكور شرعي، وفشل التوافقات التي أعادت إنتاج نفس الوجوه، وفشل من حكموا ثلاثين عامًا ثم طالبوا بفرصة إضافية باسم الواقعية.
في لحظة الصفر المتخيلة – الممكنة – يتم:
حل البرلمان القائم بالكامل.
إنهاء أي شرعية قائمة على المحاصصة أو الأمر الواقع.
تجميد نشاط كل من تولى سلطة تنفيذية أو تشريعية أو سيادية خلال العقود الثلاثة الماضية، إلى حين المساءلة.
ليس انتقامًا… بل حماية للمستقبل.
ثانيًا: استدعاء الكفاءات – من اليمن وإليه
اليمن لا يعاني من نقص في العقول، بل من طردٍ ممنهج لها.
في الداخل: آلاف الكفاءات المهمّشة. في الخارج: عشرات الآلاف من اليمنيين الناجحين في الطب، والهندسة، والاقتصاد، والإدارة، والتقنية، والعلاقات الدولية.
الخطوة المفصلية:
فتح باب وطني شفاف لاستدعاء الكفاءات اليمنية في الداخل والشتات.
معايير واضحة: الكفاءة، النزاهة، الاستقلال، عدم التورط في منظومة الفساد أو الحرب.
عقود زمنية محددة، لا مناصب مفتوحة.
الدولة ليست غنيمة… بل مهمة.
ثالثًا: سلطة انتقالية شبابية ببرنامج لا بشعارات
بدلًا من النخب المتكلسة، يتم تشكيل: مجلس وطني انتقالي من كفاءات شبابية مستقلة، يمثل مختلف المناطق، لا بالهوية الضيقة، بل بالكفاءة.
مهامه محددة بوضوح:
إدارة مرحلة انتقالية زمنها معروف.
تنفيذ برنامج إنقاذ اقتصادي وخدمي عاجل.
تهيئة البلاد لانتخابات حرة حقيقية.
لا يحق لأعضائه:
الترشح للانتخابات التالية.
تشكيل أحزاب خلال المرحلة الانتقالية.
من يدير المرحلة لا يرث الدولة.
رابعًا: رئيس الجمهورية… بإرادة الشعب فقط
لا رئيس بالتوافقات، ولا بالتزكية، ولا بالبيانات الخارجية.
رئيس الجمهورية:
يُنتخب مباشرة من الشعب.
بصلاحيات محددة دستوريًا.
بولاية واحدة غير قابلة للتمديد.
اليمن لا يحتاج زعيمًا ملهمًا، بل موظفًا عامًا كبيرًا يخضع للمساءلة.
خامسًا: دستور المرحلة – دولة قانون لا دولة أشخاص
يُصاغ دستور جديد:
يراعي واقع اليمن وتنوعه.
يؤسس لدولة مدنية حديثة.
يفصل بوضوح بين السلطات.
يضمن استقلال القضاء.
يربط السلطة بالمحاسبة لا بالحصانة.
الدستور ليس نصًا مقدسًا، بل عقدًا اجتماعيًا قابلًا للتطوير.
سادسًا: العدالة أولًا… ثم المصالحة
لا بناء بلا عدالة.
يتم إنشاء:
محكمة وطنية مستقلة لمحاسبة كل من تولى السلطة خلال الثلاثين عامًا الماضية.
محاكمات عادلة وشفافة، بلا تشفٍ ولا صفقات.
إحالة الفارين أو المتورطين بجرائم جسيمة إلى القضاء الدولي.
المصالحة الحقيقية لا تُبنى على النسيان، بل على الحقيقة.
سابعًا: اليمن كما يجب أن يكون – مقارنة لا تبرير
اليمن ليس أقل من جيرانه:
جغرافيًا
بشريًا
اقتصاديًا
ما ينقصه هو:
إدارة رشيدة.
مؤسسات حقيقية.
قرار سيادي لا يُختطف.
في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والاقتصاد، والدبلوماسية، يمكن لليمن – خلال عقد واحد – أن ينتقل من دولة أزمة إلى دولة طبيعية، إذا توقفت عملية تدوير الفشل.
خاتمة: رسالة إلى العالم
هذا ليس حلم شاعر، ولا مقال معارض. هذا نداء شعب سئم الحرب، وملّ الفساد، وتعب من إعادة تدوير الوجوه.
اليمن لا يطلب وصاية، بل شراكة عادلة. ولا يطلب معجزات، بل فرصة حقيقية.
إذا توفرت الإرادة الإقليمية الصادقة، والدعم المشروط بالإنجاز، وتم تحرير القرار اليمني من نخبه الفاشلة، فإن هذا الحلم ليس بعيدًا.
اليمن لا يريد أن يُنقَذ… بل أن يُترك له أن يُبنى من جديد.