
البداية: صراع الأخوة واشتعال الفتنة
كانت رياح التمرد تهب على الدولة الأموية منذ فترة، لكن الشرارة التي أشعلت النهاية كانت صراعًا عائليًا داميًا. بعد وفاة الخليفة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، دخل آل أمية في دوامة من الصراعات الداخلية التي أنهكت قوتهم. حكم عشرة خلفاء في أقل من اثني عشر عامًا، كل منهم يحاول تثبيت سلطته على حساب الآخر.
وفي تلك الأثناء، كان عبد الله بن الزبير قد أعلن نفسه خليفة في الحجاز، بينما كانت الخوارج تتحرش بالحدود، والشيعة ينتظرون الفرصة المناسبة للثأر من بني أمية الذين قتلوا الحسين بن علي في كربلاء.
مروان بن الحكم: المحاولة الأخيرة للإصلاح
عندما تولى مروان بن الحكم الخلافة سنة 64 للهجرة، حاول بإصرار إعادة الاستقرار إلى الدولة المتهالكة. كان رجل دولة حكيمًا، يعرف جيدًا حجم التحديات التي تواجهه. قضى معظم فترة حكمه القصيرة في محاربة ابن الزبير والقضاء على الفتن الداخلية.
ورث ابنه عبد الملك دولة ممزقة، لكنه كان بحق المؤسس الثاني للدولة الأموية. حكم عشرين عامًا قضى معظمها في حروب لإعادة توحيد الدولة الإسلامية. هزم مصعب بن الزبير في العراق، ثم أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي لحصار مكة وإنهاء حكم عبد الله بن الزبير.
القمة: ازدهار تحت وطأة القمع
عبد الملك بن مروان كان حاكمًا قويًا بلا شك، كما يقول ابن الأثير: “كان عبد الملك من أعظم الخلفاء وأقواهم”. لكن قوته بنيت على سياسة حديدية مارسها الحجاج في العراق، حيث أراق الدماء وأذل الناس حتى امتثلوا.
ازدهرت الدولة في عهد الوليد بن عبد الملك، وامتدت حدودها من الأندلس في الغرب إلى حدود الصين في الشرق. بنيت المساجد العظيمة كالجامع الأموي في دمشق وقبة الصخرة في القدس. لكن تحت هذا الازدهار، كانت نار الحقد تتقد في قلوب المظلومين.
البذور الأولى للسقوط
كان سليمان بن عبد الملك ميالًا للترف والملذات، وتولي عمر بن عبد العزيز بعده جاء كصدمة للنخبة الأموية المعتادة على الترف. حاول عمر إصلاح ما أفسدته الأيام، وأعاد الحقوق إلى المظلومين، وألغى المظالم، لكن حكمه لم يدم أكثر من سنتين ونصف.
مع عودة الخلفاء الأقوياء مثل يزيد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك، عادت الدولة للاستقرار الظاهري، لكن المشاكل البنيوية كانت تتفاقم تحت السطح.
العباسيون: الدعوة السرية والثورة المُعدّة بعناية
في قرية صغيرة تسمى الحميمة جنوب الأردن، كان محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يخطط منذ سنوات. أرسل الدعاة إلى خراسان – أقصى شرق الدولة الإسلامية – حيث توجد جيوش من المسلمين غير العرب الذين شعروا بالتمييز ضدهم لسنوات.
كان أبو مسلم الخراساني، ذلك الشاب الغامض الذكي، قائدًا بارعًا أرسله إبراهيم الإمام، ابن محمد بن علي، ليقود الثورة في خراسان. اختار أبو مسلم اللون الأسود شعارًا للدعوة العباسية، رمزًا للحزن على آل البيت والحداد على مظلوميتهم.
السقوط: معركة الزاب الكبرى
كان مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ويصفه ابن الأثير: “كان شجاعًا مقدامًا لكن الدولة كانت قد تآكلت من الداخل”. قاد مروان بنفسه جيشًا ضخمًا لمواجهة جيوش العباسيين بقيادة عبد الله بن علي عند نهر الزاب في شمال العراق.
دارت المعركة في جمادى الآخرة سنة 132 للهجرة، وكانت الأقدار تميل ضد بني أمية. يقول ابن الأثير: “التقى الجمعان وصبر الفريقان ساعة، ثم انهزم أهل الشام”. هرب مروان من المعركة باتجاه مصر، مطاردًا من قبل جنود العباسيين.
المأساة: ملاحقة ومذابح آل أمية
بعد سقوط دمشق في أيدي العباسيين، بدأت واحدة من أقسى فصول التاريخ الإسلامي. أصدر أبو العباس السفاح، أول خليفة عباسي، أوامره بملاحقة كل من ينتمي إلى بني أمية.
اجتمع ثمانون رجلاً من آل أمية في مدينة أبلة على نهر الفرات، بعد أن أعطاهم عبد الله بن علي أمانًا. لكن عندما وصلوا، أمر بنصب خيام لهم ثم أغلق عليهم الخيام وأضرم فيها النار. من بقي حيًا منهم ذُبح بالسيوف.
الفرار والنجاة: عبد الرحمن الداخل
في هذه المذابح، كان هناك فتى في التاسعة عشرة من عمره، هرب مع أخيه الصغير من دمشق. قُتل الأخ في الطريق، لكن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام استطاع الفرار عبر فلسطين ومصر إلى شمال أفريقيا.
بعد خمس سنوات من الهروب والملاحقة، وصل عبد الرحمن إلى الأندلس حيث أسس الدولة الأموية هناك، لتبقى شعله من مجد بني أمية تضيء في الغرب بينما كانت النار تلتهم كل أثر لهم في المشرق.
النهاية الرسمية: مصرعة مروان الأخير
لجأ مروان بن محمد إلى مصر، حيث حاول جمع أنصاره للمرة الأخيرة. لكن عبد الله بن علي أرسل قائده صالح بن علي لملاحقته. في قرية تسمى بوصير جنوب الفسطاط، وجدوا مروان مختبئًا في كنيسة.
يقول ابن الأثير: “طافوا به في البلد ثم قتلوه وصلبوه”. مع مصرعه، انتهت الخلافة الأموية في المشرق بعد 91 عامًا من الحكم، لتبدأ مرحلة جديدة في التاريخ الإسلامي بقدوم العباسيين.
الدروس والعبر
كان سقوط الدولة الأموية، كما يصوره ابن الأثير، نتيجة تراكمية لعوامل عدة: الترف والفساد الداخلي، التمييز ضد غير العرب، الظلم السياسي، الصراعات العائلية، وبراعة التنظيم العباسي الذي استغل كل هذه الأخطاء.
لكن المأساة الحقيقية كانت في القسوة التي عومل بها آل أمية بعد السقوط، حيث انتقل الصراع السياسي إلى ثأر دموي لم يرحم النساء ولا الأطفال ولا الشيوخ، في فصل مأساوي كتب نهاية واحدة من أعظم دول الإسلام وأكثرها إثارة للجدل.