رؤي ومقالات

أسامه الهتيمي يكتب:اسقاط نظام طهران.. خطر يهدد الكيان

ربما ليس ثمة خلاف كبير حول أن التداعيات الأمنية لأية محاولة عسكرية من قبل أمريكا لإسقاط النظام الإيراني ستكون خطيرة لأقصى درجة وسط احتمالات شبه مؤكدة بأن تندلع حرب إقليمية ستطال العديد من دول المنطقة فيما لا يستطيع أحد أن يحدد مدتها الزمنية أو حجم الخسائر الناجمة عنها خاصة وأنه من المحتمل أن تؤدي هذه المحاولات إلى تفكيك الدولة الإيرانية برمتها وليس مجرد إسقاط حكم الملالي إذ من المرجح أن ينشب صراع دموي بين الجيش والحرس الثوري أو بين المكونات العرقية الإيرانية بعضها البعض.
وبالطبع مثل هذه التداعيات تدفع الإدارة الأمريكية للتفكير ألف مرة قبل أن تتخذ قرارها بالاتجاه نحو هذه الخطوة فأثر هذه الحرب الشاملة لا يقتصر على الداخل الإيراني أو على المصالح الأمريكية و”الإسرائيلية” فحسب بل ستكون دول الخليج هي الخاسر الإقليمي الأكبر منها بحكم الجغرافيا والتشابك الاقتصادي وحساسية منشآتها النفطية والملاحية.
كما ستمتد هذه الآثار إلى العالم كله نتيجة الاستهداف المحتمل من قبل إيران للبنية التحتية للطاقة أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وبحر العرب بما يعنيه ذلك من شلل اقتصادي وارتفاع جنوني في أسعار الطاقة واضطراب واسع في أسواق المال والتجارة العالمية.
ومع التسليم بخطورة ما سبق يبقى أن الأخطر من ذلك كله يتمثل في انعكاسات إسقاط النظام الإيراني على علاقة العرب بالكيان الصهيوني والتي يبدو ظاهرا للكثيرين أن إسقاط نظام طهران سيصب في صالح الكيان الصهيوني ومن ثم توطيد العلاقات العربية مع الاحتلال كون أن إيران أحد أهم العقبات الكئود أمام تطوير هذه العلاقات.
والحقيقة أن ما سبق أبعد ما يكون عن الصواب إذ ستكون انعكاسات إسقاط نظام طهران سلبية لأقصى درجة على واقع العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني للأسباب الأتية:
أولا أن سقوط نظام طهران يعني إلى حد كبير انتفاء الخطر الإيراني على البلدان العربية التي تعاني من التدخلات والأطماع الإيرانية منذ انتصار ثورة الخميني ووصول الملالي لحكم إيران بداية الثمانينيات حيث من المرجح أن تتلاشى أو على أقل تقدير يضعف دور المليشيات التي عملت إيران على تأسيسها ودعمها طيلة العقود الماضية وكانت شوكة في أمن واستقرار هذه الدول.
انتفاء هذا الخطر الإيراني أو تراجع قدراته يعني أيضا انتفاء أو تضاؤل المبرر الأمني المركزي الذي ربما يدفع بعض الدول العربية وخاصة الخليجية للسير قدما لاستكمال عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني تحت ما أطلق عليه “اتفاقات إبراهام” فيما لا يستبعد أن تصاب علاقات التطبيع مع بعض الدول العربية بالكثير من الفتور.
كما ستفقد بذلك دولة الكيان ورقة التخويف من “الهلال الشيعي” التي كانت تتخذها وسيلة لحشد العرب خلفها في مناوئة المشروع الإيراني التوسعي الأمر الذي سيضطر بعض الأنظمة العربية إلى إعادة تبرير العلاقة مع هذا الكيان أمام الشعوب التي كانت ولم تزل ترفض التطبيع معه وهو ما سيعمل ولو بشكل غير سريع على انهيار مشروع التطبيع.
ثانيا أنه سيترتب على ذلك عودة دولة الكيان مجددا لتصبح العدو الأول للعرب بلا منازع وبلا نقاش وبلا استقطاب وذلك بعد أن تستعيد القضية الفلسطينية مكانتها لتكون القضية المركزية والمحورية ليس للعرب فحسب بل للأمة الإسلامية كلها فالنظام الإيراني ساهم طيلة العقود الماضية في تشتيت أنظار الأمة العربية والإسلامية نحو صراعات طائفية وإقليمية في عدد من دولها.
ثالثا سينتهي بإسقاط نظام طهران وتحول إيران لدولة عاقلة – وذلك بعد مدة من الفوضى والصراعات – دور الكيان الصهيوني كحارس إقليمي لدى الولايات المتحدة ما سيؤدي إلى أن تكون هناك ترتيبات أمنية جديدة ربما لا يصبح الكيان مركزها كما كان دائما في ظل وجود نظام الملالي.
كذلك يجب أن نشير هنا إلى ملاحظتين في غاية الأهمية بشأن مساعي أمريكا لإسقاط نظام طهران:
الأولى أن واشنطن قبل غيرها تعلم جيدا أن إيران ليس لديها رغبة قوية – على الأقل في الوقت الحالي – لامتلاك سلاح نووي سواء لحسابات سياسية أو للكلفة الإستراتيجية والردع المقابل فضلا عن تعارض ذلك مع فتوى المرشد الأعلى للثورة علي الخامنئي والخاصة بتحريم هذا السلاح باعتباره سلاح إبادة الأمر الذي يتعارض مع قيم الإسلام وعليه فإن واشنطن تدرك جيدا أن إسقاط النظام لهذا السبب هو مجرد إدعاء لا أساس له.
الثانية أن هناك تباين بين واشنطن والكيان الصهيوني حول كيفية التعاطي مع النظام الإيراني الحالي فبعض قيادات الكيان خاصة ممن ينتمون لليمين المتطرف ربما لديهم الرغبة بالفعل لإسقاط نظام طهران وهي رؤية ضيقة بحسب بعض الإستراتيجيين الصهاينة أنفسهم فضلا عن قطاع كبير من المسئولين الأمريكيين الواعين بالمصالح الأمريكية.
مرة أخرى وعاشرة لا نستبعد تماما أو ننفي على الإطلاق احتمالية أن توجه أمريكا ضربة عسكرية لإيران لكن خلافنا مع البعض يكمن في طبيعة الهدف من هذه الضربة العسكرية التي نرى أنها بعيدة عن فكرة إسقاط النظام أو حتى إحداث تغيير في داخله فهذا لا ينسجم مع طبيعة نظام الملالي يعلم ذلك كل من طالع تركيبة هذا النظام ليبقى أن غاية ما تأمله واشنطن هو تعديل سلوك هذا النظام وإرغامه على أن يكون كما كان طوع الإرادة الأمريكية أو إجبارة مجددا على الالتزام بحدود التخديم على مصالح أمريكا والكيان.
وفي الختام لا يعني ما سبق أننا ندعم بقاء النظام الحالي لكننا فقط نحاول ان نفكك السلوك الأمريكي تجاه هذا النظام وهل بالفعل تسعى الإدارة الأمريكية لإسقاط هذا النظام أم أنها تمارس ضغوطها القصوى التي أعلنت عنها قبل سنوات لإعادة طهران للحظيرة الأمريكية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى