كتاب وشعراء

المبدع عبد السيد المرايحي: من الإذاعة إلى الخط: رحلة فنية لا تعرف الحدود في أرض التحديات…..بقلم محمد المحسن

في قلب هذه الجهة الشامخة،حيث تلتقي روعة الطبيعة بصمود الإنسان،تولد عادة فنون تختزل حكاية المكان وأزلية سكانه.وهناك،في جهة تطاوين العريقة،يبرز اسم لا ينفصل عن النبض الثقافي والفني للجهة،إسم صاغ عبر عقود من الزمن سفرا إبداعيا مدهشا: عبد السيد المرايحي. أكثر من مجرد شخصية اعتبارية،هو بمثابة مؤسسة ثقافية متنقلة،وذاكرة حية،ونهر متدفق من العطاء الثري الذي أغنى المشهد الثقافي برمته.
لقد عايش المبدع عبد السيد المرايحي المحطات التاريخية الهامة التي مرت بها جهة تطاوين،فكان شاهدا على تحولاتها وحاملا لتراثها،وساهم بشكل فعّال في صياغة جانبٍ مشرق من حاضرها الثقافي.تميز برصيد فني وأدبي ضخم،صنعه بتواضع المُخلص وانكباب المحب،فجاء إنتاجه متنوعا بألوانه الخاصة الفريدة،التي طبعت بصمتها في مختلف مجالات الفن دون استثناء.
يعد عبد السيد المرايحي من أبرز رواد المشهد الفني في تطاوين،حيث ساهم في إثراء المكتبة الفنية المحلية بألوان مميزة،تجمع بين أصالة التراث الصحراوي وحداثة الإبداع.لكن موهبته لم تقف عند حدود التأليف أو الإبداع التقني،بل امتدت إلى عالم الإذاعة،حيث برع كـ “مخرج ملحمي وتقني صوت” في إذاعة تطاوين.
في هذه المحطة،نسج بخبرته حكايات صوتية،مما جعل من برامجه ولمساته التقنية منارات فكرية وثقافية.
وبعيدا عن الأضواء والصوت،يمتلك عبد السيد عالما آخر من الدقة والجمال:عالم الخط.كخطاط ماهر،يحاور الحرف ببصيرة الفنان،فيحول الكلمات إلى لوحات تشكيلية تنطق بالجمال والهوية،مؤكدا أن الإبداع لديه حالة شمولية لا تعرف التجزئة.
ولا تكتمل الصورة الفنية لعبد السيد دون التوقف عند عطائه المجتمعي الواسع.فهو رئيس جمعية “ماطوس”،التي لا شك أنها تحت قيادته تكون قد وجدت سبيلا لخدمة المجتمع والثقافة.والأكثر دلالة على الثقة الكبيرة في كفاءته وإدارته،توليه مؤخرا الكتابة العامة لجمعية رائدة هي “جمعية الصحة والدواء”، مما يظهر بعدا آخر من أبعاد شخصيته القادرة على العطاء في الحقل الاجتماعي والصحي بجانب الثقافي والفني.ولا ينسى من عرفه دوره كـ “منشط بارع”،يجيد إدارة الفعاليات وخلق جو من التفاعل والإلهام.
إن هذا الرصيد الهائل،وتلك الخبرة المتراكمة التي عايشت تاريخ الجهة،تجعل من المبدع عبد السيد المرايحي شريكا أساسيا لا غنى عنه في أي مشروع ثقافي كبير يُراد له النجاح والتميز.
ولا يخفى أن الاعتراف بقيمة المبدعين مثل هذا المبدع الخلاق عبد السيد المرايحي يجب أن يتجاوز مرحلة الثناء والتكريم العابر،لينتقل إلى فعل مؤسسي دائم يضمن استمرار عطائهم ويحمي تراكم خبراتهم من التهميش أو النسيان. إن هؤلاء المبدعين هم الذاكرة الحية والوجدان النابض لجهتهم،وتشريكهم الفعلي والحقيقي في صياغة البرامج الثقافية وفي لجان التخطيط والتحكيم والإشراف على مختلف التظاهرات، ليس منة أو مجرد رد جميل،بل هو استثمار حكيم في الرأسمال اللامادي الأغلى للجهة،وضمانة لأصالة وفعالية أي مشروع ثقافي.
ومن هنا،فإن الدعوة إلى إشراك هذا المبدع الخلاق عبد السيد المرايحي في مهرجان القصور الصحراوية يجب أن تكون نموذجا يُحتذى لسياسة ثقافية أوسع،تتبنى منهجية دائمة في “رد الاعتبار” لمبدعي الجهة جميعا،عبر إشراكهم المستمر وإدماجهم في قلب الصناعة الثقافية المحلية.فهذا التشريك هو الذي يحول الإبداع من حدث فردي منقطع إلى نهر متصل الجريان،يغذي الحاضر ويؤسس لمستقبل ثقافي زاخر،يكون فيه المبدع شريكا في القرار،وراعيا للهوية،وقائدا للتجديد،مما يخدم في العمق رسالة الثقافة والإبداع كمحركين للتنمية والتطوير الشامل.
ومن هذا المنطلق،فإن مهرجان القصور الصحراوية بتطاوين القادم على مهل،أمام فرصة ذهبية لاغتنام هذه الخبرة النادرة.
على هذا الأساس،نوجه دعوة صادقة ومُلحة إلى إدارة هذا المهرجان الدولي الهام لإشراك المبدع عبد السيد المرايحي في اختيار فقراته الفنية، وتأثيث برنامجه بإبداعه،لا سيما “ملحمته الرائدة” التي ستكون بلا شك إضافة نوعية وجوهرية.كما أن الاستئناس بتجاربه ومهاراته الثرية في المجال الاحتفالي والإبداعي سيمنح المهرجان عمقا تاريخيا ومهنية فائقة،ويضمن تفاعلا أكبر مع جمهور الجهة وزوارها،لأنه من القلائل الذين يجمعون بين فهم عميق لروح المكان وإتقان لأدوات الصنعة الاحتفالية.
ختاما،تحية إجلال وإكبار لهذا المبدع الكبير،عبد السيد المرايحي،ولجميع مبدعي تطاوين الذين يصنعون الثقافة بيد ويقاومون التصحر الثقافي بالأخرى.تحية لكل عقد من تلك العقود التي قضاها في العطاء المتواصل،بكل نكران للذات وإخلاصٍ للفن والوطن.إنه ذلك الرجل الذي أسدى بفكره وفنّه ووقته،فاحتلت مكانته أوّلا في صدور أهالي تطاوين الشامخة،قبل أن تُسجَّل في سجلات الإنجاز.
فهو بحقّ رمز إبداعي ثمين،وعنوان للعطاء،ودليل حيّ على أن هذه الرقعة الذهبية (تطاوين) لا تنجبُ فقط هضابا من الذهب الندي،بل تتفجّر ينابيع من الإبداع والإنسانية،كالنهر الذي لا ينضب. وفي ظل ازدحام الجهة بالمبدعين الذين يتحدون التهميش بصمود إبداعي لافت،يبقى عبد السيد المرايحي شاهدا على أن الثقافة في تطاوين ليست مجرد نشاط،بل هي مقاومة وجودية،وعهد بين الأجيال،وإصرار على أن تظل هذه الأرض منارة تشع بإبداع أبنائها رغم كل العواصف والتحديات..
وفي الختام،لا بد من التأكيد على أن الإبداع الأصيل،بمختلف تجلياته الخلاقة،لا يقبل المجاملة ولا يتحمل المحاباة،بل يفرض نفسه بنفسه بقوة تفرده وأصالته.وما جاء في هذا المقال ليس مجرد ثناء عابرا،بل هو انتصار للمبدع عبد السيد المرايحي من باب المسؤولية الضميرية التي تُلزمنا ككتاب،نقاد ومهتمين،وما تقتضيه الضرورة الملحة للتعريف بإنجازات المبدعين الحقيقيين والدفع في اتجاه خلق مشهد ثقافي متميز وواعد وطموح بربوع تطاوين الشامخة..أرض البهاء،والعطاء والتجلي..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى