رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : تحنيط الكائن الحي

ــــ”لا مانع من منحهم حرية فكرية، طالما أنهم مجرّدون من القدرة على التفكير”. جورج أورويل، رواية: 1984.
أسوأ ما قام به جورج أورويل في روايته 1948 هو تحويل الانسان الى كائن سياسي وإفراغه من كل المشاعر الانسانية. هذا كلام الروائي ميلان كونديرا وهو أقسى نقد وجه لأورويل ومن كاتب يمارس كتابة الرواية ونقدها ومؤلف ثلاثة كتب في النقد الروائي.
اختزال الانسان وهو كائن مركب، في بعد واحد أو صفة أو موقف أو أي بعد واحد وتسطيحه، وحبسه في خانة واحدة سلوك بوليسي وأرشفة أمنية، بصرف النظر اذا كان صاحب هذا العقل الرث في سلطة او يدعي معارضتها او مجتمع.
اختزال الانسان وحبسه في موقف تحويله من كائن الى ملصق ولا نعود نرى غير الندبة وهذه الصفة تصبح المرشح Filter لكل فعل يقوم به أو منظار سردية مغبرة . أي لا نراه في تحولاته بل من خلال سردية الجماعة وتحنيط الزمن كما لو ان الانسان ليس طاقة تحولات وهي عقلية استئصالية متخلفة تمارس بلا وعي.
هذا الاختزال هو سجن للآخر وللذات أيضاً وحرمانها من معرفة الحقيقة التي لا توجد في السردية الشفوية المتداولة بل في التفاصيل الهائلة المتشابكة التي صنعت الحدث التي لا نعرف عنها شيئاً.
الإختزال أسهل من الفهم وفخ السطحية لأنه لا يحتاج الى بحث وتأمل وتفكير ويلغي السياق وهو نتيجة جاهزة وتتجاهل النفق الطويل الذي مرت به حياة انسان ما: الظروف، القوى، طاقة الانسان نفسه، دور عوامل كثيرة، ثم هناك غياب العدالة في الحكم او الاختزال بعدم سماع مروية الطرف الآخر الذي ربما لديه قصة مختلفة ومغايرة.
قال ألبير كامو” تعرفون اسمي ولا تعرفون قصتي، تعرفون ماذا فعلت ولا تعرفون الظروف التي مررت بها، فتوقفوا عن الحكم علي وانشغلوا بأنفسكم”،
عاش كامو ممزقا بين الفقر في الجزائر ـــــــــ إبن خادمة منازل ـــــــــــ الى جائزة نوبل ورئاسة تحرير صحيفة المقاومة الفرنسية السرية والروائي والمفكر لذلك يدرك ان الناس تكتفي بالعناوين ولا تعرف التفاصيل.
الاسم علامة تجارية وقصة مروية في ان أحداً ما رآك تسقط أو تفشل أو تتعثر أو تغضب لكنه لا يعرف السياق.
في روايته الشهيرة” الغريب” يقول كامو: ” “الناس يحكمون عليك لكي لا يضطروا إلى فهمك”. المشكلة ليست في القصة بل في الفهم الذي يتطلب مجهوداً عكس الحكم السريع الذي يمنح راحة نفسية زائفة.
المجتمع المغلق التقليدي نفسه يحب الثبات بينما الحياة رقصة تحولات كل لحظة. وفرت لي الحياة فرصة العيش في مجتمع سريع التحولات كحلم شفاف في حين تحاول الذاكرة العودة الى الماضي في خلق فضائل وهمية له.
المجتمع التقليدي يحتفظ بحكاية عامة متفق عليها لكنها غالباً زائفة. لهذا يمكن القول ان تاريخنا كله في الماضي البعيد والقريب هو تاريخ تخيلي وفي أقسى تعبير تاريخ غير حقيقي . تاريخ رغبي. كل طرف وفريق وجماعة لها تفسير للتاريخ. كيف يتوازن الانسان اذا كان التاريخ مربكاً ومتناقضاً وهو جزء من الهوية؟
الفهم رحلة طويلة والحكم وجبة سريعة. الحكم نشوة كالمخدر في حين الفهم مقلق ويخلخل ثوابت وقناعات وصور تحولت في الخيال والذاكرة الى حقائق. المراجعة مربكة.
الوصم اختزال ونفي وتخفيض قيمة المختلف البشرية وتشويه واقصاء
بل هو عدوان على الانسان واعتقال له والانسان كائن يمضي في ابعاد مختلفة وأحيانا متناقضة ليس عن عدوانية او شر مخطط له بل هذه طبيعة البشر في ظروف مختلفة وفي حالات قاسية، وماذا يفعل مثلاً لو وجد نفسه في تقاطع ظروف غير متوقعة او في منجم فحم أو ما يعرف بــــــــــ” مناخ الخطأ”؟ لن يخرج ناصع البياض من المنجم ولا بلا آثار في صراع مخالب ولا بلا بقع لو وقع في وحل.
الاختزال اغتيال وحكم أبدي وحبس الكائن في صورة قديمة لم يعد هو يعرفها وتجاوزها وقد لا يتذكرها ومن حقه النسيان ومن حقه بداية جديدة ومن حقه أن يتغير ولا يجوز تذكيره كل فرصة بما حدث في الماضي في ظروف لم تعد قائمة.
الانسان ليس واحداً في كل مراحل حياته، بل ليس واحداً في لحظة أو موقف، وتحويل الانسان إلى كائن صلب وتحنيطه في مشاعر محددة، ووضعه في ملف او خزانة او منحه كودا للحفظ واختزاله بموقف او لحظة هو سلوك سلطوي اولا ، وهو نتاج عقل معطوب ثانيا، يعيش في قوالب وانماط او ما يعرف بـــ بالتفكير التخيلي، أي انه يتخيل الاخر ويصنع له صورة خيالية ويتعامل معها كحقيقة كما يفعل مع نفسه حين يزيف حياته ويحرف الواقع لكي ينسجم معه.
وصف فرويد هذه الظاهرة بالقول” البشر كائنات إلغاء Canceling creatures” أي اختزال الآخر في صورة والغاء كل تاريخه ، وهذا الالغاء لا يستهدف الآخر فقط بل يستهدف الذات نفسها التي تبحث عن مكانة وسيطرة في الحكم على الاخر الذي قد يكون مرآة فشلها في الحياة ويجب تحطيم المرآة في سلوك تعويضي عن فشل أو احباط أو كراهية مرضية.
الانسان ليس كائنا ببعد واحد بل منظومة عواطف ومشاعر وغرائز واحاسيس واخطاء انسانية وهفوات. تقليص حياة الانسان في موقف ما في الحياة هو تسطيح وسذاجة لكنها سذاجة خطرة خاصية العقل المانوي Manichaeism البدائي اول اشكال التفكير: الابيض والاسود ، الخير والشر الخ مع ان في الخير الظاهري الكثير من الشر ــــ الرذيلة عندما ترتدي ثوب الفضيلة ــــ وفي الليل يوجد النهار وفي التنوع توجد الوحدة وفي الاختلاف تتراكم المعرفة وفي كل لحظة نعيش الموت والحياة في عملية هدم وبناء متلازمة عضوية قبل الولادة،
وهناك اشرار ساعدوا ضحايا في مواقف مصيرية وهناك ” أخيار” دمروا جماعات وافرادا وشعوباً.
كثير من الناس هذه الأيام لا يستجيبون لصورة أو لوحة حديقة أو وردة على مائدة أو شفق رماني متوهج أو خريف محترق أو موسيقى أو أغنية وغير ذلك من صور الحياة النقية، وهي أخطر علامة تشوه عندما يفقد الفرد صلته وعلاقته بأجمل ما في الحياة من عناصر ورموز وجمال ويستغرق في صور البشاعة في نوع من الادمان،
حتى صار من يتحدث عن أغنية أو موسيقى أو رحلة أو يوميات سعيدة أو لحظة فرح كما لو أنه بطرُ أو قادم من مكان خطأ ومن زمان خطأ: صار الفرح البشري عيباً في حين صارت التفاهة ثقافةً.
ماذا يمنع الفرد من أن يهتم بالسياسة والطبيعة والموسيقى والفن والكتب والعلم والطبخ، وأن يكون صديقاً وعاشقاً ومكافحاً من أجل العدالة؟
أي صورة نمطية للانسان هي صورة اختزالية غير صحيحة، تتحاشى الوعي والتحليل والفهم وتختزل الانسان والظواهر بصور وتخيلات سطحية جاهزة،
لأن حبسه في إطار محدد هو إعتقال ونفي وعدوان على حقه في أن يتغير، في أن ينسى، في أن يبدأ من جديد وفي ان يكون كما يريد حسب طاقته لا كما يراد له. لسنا نسخاً. لكل انسان طاقة على مواجهة ظروف محددة وهو وحده من يملك الحق في التصرف.
هناك لحظة او صدفة او تجربة غيرت حياة ومصير ومسار حياة انسان نحو الأسوأ أو نحو الأفضل . الانسان موجة تحولات من اليقظة وحتى النوم، وما بعد النوم وخلاله تستمر حياته العميقة في الاحلام، ومن الخطأ الفادح حصره في اطار واحد وغلق الملف دون أن ننسى هنا أن هناك بشراً يعيشون هذا الاختزال والنمطية والسجن في إطار واحد لان العقل الاختزالي ولد في قفص ومنظومات جاهزة مسبقا وتصنيفات معيارية،
في مجتمع يشجع ويدعم الصنمية والنمطية، ويضع التمرد الايجابي في مرتبة الجريمة، وعلى العكس يضع الجريمة ،جريمة الاكراه والوصاية والهيمنة في منزلة البطولة او الاخلاق او القانون.
لكن لماذا الاختزال والوصم؟ للشعور بالتفوق والأمن المزيف والشعور بالسيطرة والغاء لغة الاحتمالات وهذا العقل الاختزالي هو الغراء أو الصمغ الذي يربط الجميع في سردية مزيفة تكون الأسرع في التصنيف بلا مشقة التفكير. القطيع لا يملك وقتاً لقراءة وتفكيك التفاصيل وكل ما يحتاجه كوداً جاهزاً يحول الكائن الحي الى ملف أو صنم يسهل تحطيمه في مجتمع لا يبحث عن الحقيقة المتعبة بل عن ضحية جاهزة وهو ليس خطأً بل استراتيجية بقاء لأن البحث عن الحقيقة يتطلب حرية نفسية والوصم لا يحتاج الى برهان بل الى جمهور والى حكواتي يروي الحكاية نفسها كل مرة بتغيير بعض التفاصيل ومع الزمن تتحول الى قصة تطهير للشعور بفضيلة زائفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى