في السردية الصهيونية: مصر القديمة أول من أعلن “معاداة السامية” .. ونظرية معاداة “الأبراص”

كتتب:هاني الكنيسي
يتداول الإعلام العبري قصة “ممشّشة” (من العامية المصرية في وصف البيض الفاسد) عن جذور “معاداة السامية” في التاريخ القديم، تزعم أن “الظاهرة” تعود لأكثر من ألفي عام، وأن أولى علاماتها وُلدت في مدينة الإسكندرية (المصرية)، في القرن الثالث قبل الميلاد!
الكشف “التاريخي” كما وصفته قناة ‘i24NEWS’ العبرية -صاحبة السبق الذي نقلت عنه الصحف والمواقع الإسرائيلية- مرجعه إلى اتهام المؤرخ المصري ‘مانيتون’، الذي عاش في العصر البطلمي، بأنه كان أول من نشر ما اعتبرته “أول خبر كاذب في التاريخ”، حين زعم أن اليهود هم “من نسل البرص الذين طُردوا من مصر”.
وفي تفاصيل التقرير -الذي كافح لربط “أساطير” التاريخ بالرواية الدينية (التوراتية)- أن الصورة “النمطية” التي أشاعها المصري القديم عن اليهودي كـ”غريب غامض” أو “ناقل للأمراض”، ترسّخت لاحقًا في فكر الإمبراطورية الرومانية، ثم “تحولت إلى عنف منظم مع صعود المسيحية”، عندما تم توظيف اتهام اليهود بـ”قتل المسيح” لتبرير “اضطهادهم” على مدى قرون لاحقة!!
وفي سياق “بلورتها” (أو “ألوظتها” باللفظ المصري السوقي) لنظريتها التاريخية العجيبة، أشارت القناة العبرية إلى أن نقطة التحول الجوهرية حدثت عام 1879م، عندما صاغ الصحفي الألماني ‘فيلهلم مار’ مصطلح “معاداة السامية” لإعادة تشكيل الكراهية ضد اليهود من إطار ديني إلى إطار عرقي-بيولوجي، وهو ما أصبح لاحقًا حجر الزاوية في أيديولوجيا النازية ومبررًا لجرائم الهولوكوست (المحرقة).
كما ربط التقرير بين تلك “الظاهرة التاريخية” واستخدامها كأداة “سياسية”، مستشهدًا بشيوع وثائق (وصفها بأنها “مزورة”)، مثل “بروتوكولات حكماء صهيون”، التي طرحت “نظرية مؤامرة يهودية للسيطرة على العالم”، وانتقلت لاحقًا إلى العالم الإسلامي، حيث استُخدمت لترويج “الخطاب المعادي للصهيونية” – على حد تعبير القناة الإسرائيلية!!!
ويخلص التقرير إلى أن “معاداة السامية” في الحاضر باتت أشبه بـ”حرباء” تتنقل بين أقصى اليمين (العنصرية) وأقصى اليسار (إنكار حق إسرائيل في الوجود)، وتتخذ من منصات التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لنشر خطاب “كراهية اليهود”، عبر خوارزميات تعزز المحتوى المتطرف وتعيد إنتاج أساطير قديمة في هيئة اتهامات جديدة مثل “إبادة جماعية”، أو هاشتاغ مثل #هتلر_كان_محقا.
*جدير بالملاحظة أن التقرير أو “الكشف التاريخي” الصهيوني يذكر اتهامات “الإبادة” ومظاهر تزايد “كراهية اليهود” مؤخرا، دون أي إشارة لجرائم الحرب في غزة أو لاحتلال فلسطين- ولو من باب “التظاهر” بموضوعية الطرح الذي تقمّص روح “المنهجية العلمية”.
ومن بين عديد التعليقات الناقدة لهذه “السردية” (وأغلبها للأسف اتسم بنبرة عاطفية أو “شوفينية وطنية”)، استوقفتني الصيغة “العلمية” التي ساقها أحد الأكاديميين المصريين المتخصصين،في الرد على المزاعم، بقوله: “يجب تسجيل أن كتابات ‘مانيتون’ التي استند إليها التقرير الإسرائيلي كانت انعكاسًا لصراعات دينية وسياسية معقدة في العصر البطلمي، ولم تكن نصوصًا مقدسة أو محل إجماع لدى المصريين القدماء، بل مجرد رواية ضمن روايات عديدة”.
ثم يضيف (بذكاء): ” التقرير يتعمّد الخلط بين توصيفات ‘رمزية’ كانت شائعة في العصور القديمة لوصف جماعات ‘انعزالية’، وبين ‘العنصرية العرقية’ في العصور الحديثة. تلك الأوصاف لم تكن أحكامًا ‘بيولوجية’، بل تعبيرًا عن غضب ‘اجتماعي’ من سلوكيات جماعات يهودية بعينها؛ مثل نقض العهود والاعتداء على المحرمات”.
وبعيدًا عن أصول المحاججة الأكاديمية أو الموضوعية لدحض هذه النظرية الصهيونية عن “تاريخ” العداء المصري .. وبغض النظر عن صحة الرواية القديمة، أعترف بأن أكثر ما أعجبني فيها وصف الجماعة إياها بـ”الأبراص” (التي لا تموت بقطع أذيالها) .. الحقيقة تشبيه عبقري لا يخرج إلا من حضارة عظيمة.