
قصة قصيرة بعنوان:
ممنوع من الولادة
ذلك الهاتف الأخرس، منذ أن اشتريته لم يرقص لي رقصة على إيقاع الدفوف القسنطينية، إيقاعاته على الدوام تتقاطع مع الفجيعة؟ وكأنَّ العالم تجرَّد من الضحك والسعادة؟
اليوم عكس الأيام المنصرفة من عمره معي.. رقص لي أخيراً و يا لها من رقصة؟ هزَّت أوداجي وصفقت له الورود المزروعة على وجنتي، وتفتَّحت البتلات الحمراء على شفتيّ، وخفق قلبي شوقاً
صوت امتدَّ من ثغره الآلي
– أنت السيد عدنان
– بشحمه ولحمه ونبرات صوته
– تقدَّمت إلى الدار
– نعم
والفرحة تقفز من عينيه
كان الصوت ناعماً بما يكفي ليروي قلبي العطش من شلاله المنعش.
مديرة الدار بذاتها وجلالة قدرها تهاتفني؟؟ يا لحظي! لقد أصبح لك شأن والله يا عدنان! وهذا الهاتف الحزين بدأ يدخل إليك نسمات الفرح، والسعادة.
من غبطتي المشدوهة لم تحتفظ ذاكرتي بما قالت شيئاً؟ من شروحات معقَّدة حول كيفية إخراج مولود إلى الحياة، سوى نبرات صوت عذب شجي تعلق بنياط قلبي، لم تهمنِي التفاصيل فأنا مذبوح مذبوح بخروجه إلى الدنيا؟ هنا أو هناك الكل يتقن الذبح على طريقته، وأذ الاستمرارية على شاكلتها أفضل الذبح على الطريقة الفرعونية هي في كل الأحوال أفخر وأبهى؟
كلام ناعم يخبئ سكيناً حاداً، وقد وضعت جيدي وجيبي رهن أناملها الناعمة، المهم أن “يشقّوا” حلمي ويستخرجوا مولودي، ليدرك العصر؟ لم تهمّنيِ الترتيبات المكلفة بقدّر ما يهمني صحته وعافيته.
ما زلت حتى اللحظة لم أشفَ تماماً من ذلك الذي نهرني، وأنا أضع بين يديه أوراقا ثبوتية ابني ردّ علي بنبرات جافة كالصحراء
“إنَّه غير مربح”
ليفجر ماءً مغلياً على وجه السعادة التي اعتلتني، بعد سنوات من التنقيب، عن بيت يحتضنه ها أنا أمام الحلم الذي تزاوج مع الثورة كنت أمقتها فنعتني البعض بالخائن، والآخرون بالجبان.
صدقاً ورغم كلامي اللبق مع الذين يعتلون الكراسي، فقد قدّمت بين أيديهم الأشعار والقصص قرابين للاعتراف بي أو به لقد اعتبروه لقيطاً جاء من فراغ؟
والحق أنَّه ولد من ضياع؟ لقد تدفَّق دم الحقارة إلى أوردته، والإقصاء والتهميش إلى عقله وشرب حليب الجفا، وبعد أن اكتمل بعون الإرادة المبثوثة، والرغبة المعطوبة بسكاكين الإحباط يمنعون خروجه إلى الدنيا، التي هي في الحق ملكهم، وأحمد الله كثيراً في أن جعل الهواء حرَّاً فلو كان عبداً لوضعوه في صناديق، وباعوه كما يبيعون كلَّ شيء فلا تستغربوا وقوفي ضدهم، وانحيازي مع الثورة لقد شممت، رائحة الاستقلال بمجرَّد التقرُّب منها بعد خمسين سنة من استقلال الوطن.
حين رنَّ هاتفي وأعطتني تلك السيدة الحسناء أملاً في الولادة الطبيعية لا القيصرية؟ أحسست أنَّ الدنيا تضحك لي، وأنَّ يداً ساحرة تمتدُّ نحوي لتنقلني إلى عالم السعادة الجميل.
لقد غاب الأجداد وضاع الأولاد في البحث عن الحرية، وضعت أنا في البحث عن رحم يولد ابني؟
نعم.. لقد انضممت إلى الثورة التي ستزيل الغشاوة عن مولودي، ومواليد أخرى ضاعت تحت رحمتهم وبريشها الناعم ترفع ترسُّبات الاستقلال الماضي الصدأ حتى هاتفي البائس ثارت ثورته حين رنَّ لي رنته، ورقصت لها أحلامي الوردية، وصار له شأن هو الآخر ستقطع تلك الثورة العربة التي كنَّا نجرّها، ونصبح نحن من نقودها فما أروع القيادة؟ وما أجمل أن تولد الثورة لتوّلد معها مواليد سئمت الكبت وسئمت العيش في الظلام كالخفافيش، وأن تنطلق إلى النور لتتحوَّل بفعلها إلى درب جديد يزرع التاريخ إبداعاً!.
الأديبة: لينده كامل – الجزائر