
الشعلة التي لا تنطفئ: مظفر النواب..إرثُ المقاومة في صهيل الكلمة..
“الشعراء كالأوطان..لا يموتون..”
تقديم :
مظفر النواب يكتب من خارج فلول الكتابة،إنه مهندس على المادة الورقية حيث يسور قصائده بقسوة التحدي،والتمرد،والمواجهة،والثورة..إنّ الكم الكبير من الاستلاب المتماهي في قصائده يجعل القارئ يعيش ارهاصات وجدانية وتاريخية مجمعة في المادة الشعرية من صور وتشظي وانبناء وانسحاب..
الشعر يشبه الوحي،هكذا تقول قصائده،فهو يصدر عن رؤية ورؤيا وكلاهما ضرب من ضروب الامتداد الانثروبولوجي.فجمالية الاستلاب* في شعر مظفر النواب تتأصل في انغراس معطياتها وافرازاتها في أعماق تاريخ المعارضة السياسية والتاريخية العربية الرافضة للاستبداد والقاطعة مع القمع وحكم البوليس السري.لقد سربل النواب ذاته بعباءة ظاهرها المبدع وباطنها الثائر المتمرد.
لم يكن إعلان اسم مظفر النواب مرشحا لجائزة نوبل للآداب ثم فوز الكاتب البريطاني من أصل ياباني كازو ايشيغورو سوى مواصلة لحالة الاستلاب التي عاشها الشاعر الراحل الكبير،ولو سنحت الفرصة بعيدا عن الموضوعية المطلوبة لقلت : مظفّر النواب لا يمكن أن يحيا دون استلاب.ولا يمكن أن يبدع دون مواجع..ولا يمكن أيضا أن يرحل دون أن يتركَ إرثا شعريا مذهلا..سيكون نبراسا يضيء دروب القادمين..في الآتي الجليل..
وفي الختام، يظلّ مظفَّر النوّاب أكثر من شاعر،إنَّه ظاهرة وجوديّة ثائرة.لقد صاغ من ألمه الشخصيِّ ووجع أمَّته مادّة شعريّة فريدة،تنفذ كالسّيف، وتستقرّ في الوجدانِ كالحقيقة الأبديّة.كان الاستلاب وقودَه،والمقاومة لغته،والتَّحدِّي مصيره.
رحل الجسد،ولكنّ كلماته ستظلّ شعلة لا تنطفئ، تَهدي الحائرين في دروب الظُّلم إلى فجْرِ الحرية. هو لم يَرحل،بل انتقل من وعْي القصيدة إلى ضمير التّاريخ.وسيبقى نبراسا يُضيء،وشاهدا لا يغيب،وصوتا لا يُسكَت،في مسيرةِ السائرين على درب التحرير.
لروحك السلام..يا مظفر..
(فى الليل/يضيع النورسُ فى الليل،القارب فى الليل/ وعيونُ حذائى تشمُّ خطى امرأة فى الليل/../ يا امرأة الليل أنا رجل حاربتُ بجيش مهزوم/ ما كنت أحب الليل بدون نجوم/..والآن سأبحث عن مبغى/ أستأجر زورق/ فالليل مع الجيش المهزوم طويل).(مظفر النواب)
ها أنّي أراك في هدأة الصّمت..تنبجس من اختلاجات العزلة
..من يدقّ باب الرّوح
في خفوت الشمس والضّوء..
من يطهّر الجسد من دنس الركض
خلف صهيل الرّوح..
من يمنح حبّة قمح
تعبق بعطر الأرض
ليمامة تاهت
في رعب السكون الهائم
من يجفّف الدّمع..
والمحزونون في سبات ملء الجفون
أوغلوا في الدّمع في لحظات الوَجْد
فأنطفأ الوجع..
إلى أين تمضي
في مثل ليل كهذا !؟
والكلمات التي تركتها خلف الشغاف
تشعل شرفاتها
منارة
منارة
ولا يكتمل المكان..
..تمنيتَ لو كنتَ نورسا
على ضفاف دجلة..الفرات
كي تعيد ارتحالك..
كلّ يوم في المياه
تمنيتَ لو تجعل من دموع الثكالى
قاربا يجتاز العتمة..
كي يرسي على ضفّة مرهقة
تحتاج يد النهر كي تعبره..
تمنيتَ لو يتوقّف..الزّمان
لحظة أو أقل
كي تعيدَ ترميم الحروف
..كي تسير بكل،فجاج الكون
بغير جواز سفر
كي تروح بنوم مفتوح الرّوح..
..يفيق على جمرة سقطت
فوق شغاف القلب..
تمنيتَ لو تبرق للبعداء جميعا أن:
عودوا..أعطوا-لمظفر*-بعض وطن !!
ها أنتَ تئنّ..
وتئنّ..
إذا استرجعت غربتك
من تيه الضجّة..
وعدت بلا وطن..
إلى أين تمضي
في مثل ليل-عربيّ-كهذا ؟
إلى أين تمضي..
بعربات الصّبح المبكرة
ها أنّي أراك تلوّح
للأمكنة الأمامية
وهي تغيب..
ثمة نورس يتلاشى في الأفق البعيد..
ثمة وجع بحجم الغيم ..
يتمطى في اتجاهنا
عبر التخوم
ثمة شيء ما ينكسر
يتهاوى..
ولا يصل المكان..
ها..أنّي أراك..في هدأة الصّمت
تنبجس من اختلاجات العزلة..
تنبثق بياضا ناصع العتمة..
من عتبة القلب
نهرا
تجلّله رغوة الانتظار
أراك..
نهرا
تعتعه الرّحيل..فتهاوى
في أفلاج جفّ ماؤها..
ها أنّي أراك
تعبر ممرّات الذاكرة
تترك حنجرتك زهرةَ بنفسج..
تلج حجرات الرّوح
تاركا خلفك..
صهيل الرّيح
كي لا ينهمر..
الوجع
ويسطو على ما تبقّى..
من مضغة القلب
سخط الزّمان..
محمد المحسن
*المقصود: الشاعر العراقي الراحل مظفر النواب
هكذا يرحل الصوت ليُخلّد في الصدى،ويغيب الجسد ليبقى في الكلمة.لقد ودّعنا جسدا،لكنّنا استقبلنا إرثا شعريا حيا،نهرا من الأسئلة والأحلام لا ينضب معينه.سيبقى هذا الصوت الحافل بالألم والنضال يتردد في أذن الدهر،شاهدا على زمن ووطن،ومضيئا درب كل غريب عن الديار،وكل حائر في الأسئلة.رحلتَ-يا مظفر-عن عالم ظالم، لكنّك أرسيتَ في عالم القصيدة وطنا للحرية والجمال.ستبقى كلماتك شمعة في عتمة الزمن، ودليلا للسائرين ضدّ الريح.وستظلّ تساؤلاتك وكلماتك تذكّرنا بأنّ الروح أكبر من أن تُقهر،وأنّ الكلمة أبقى من كلّ صمت.
أنت-يا مظفر-لم ترحل حقا..بل صِرت شجنا يتنقّل بين السطور،وجرحا يشتعل تحت الرماد.صار غيابك حضورا أكثر ثقلا،وصرختك التي لم تُسمع في عالم الصمت،تعلو اليوم في كلّ قارئ يبحث عن بصيصٍ في دياجير هذا الليل المفروش بالرحيل..
محمد المحسن
*كان مظفر النواب شاعر الثورة والمنفى.حمل في قلقه تمردا ماركسيا واغترابا وجوديا،فتحوَّل ألمه الشخصي إلى صوتٍ جماعي.
بين أقبية السافاك وسجن نقرة السلمان وهروبه الأسطوري،ثم تشرده بين العواصم،صاغ المنفى وجعا دائما: “المنفى يمشي في قلبي”.
فجَّر هذا الألم في شعره-فصيحه وعاميّه-فكان بيانا سياسيا حادًا.وحوَّل الحزن ربابة يغني عليها للثورة،فلم يكن الاستلاب عنده انكسارا،بل وقودا جعل منه شاعر المهمشين والمعذبين في الأرض.