
كان قمحًا ليس من تراب،
بل من سرٍّ نفخه الله في الجهات الأربع،
فانبثق في الروح كما ينبثق اسمٌ لم يُكتب بعد،
وتدلّى من الغيب
كالسطر الذي تبحث عنه الكتب منذ بدء الخليقة.
لم يكن ينبت…
بل كان يُستدعى.
كانت الأرواح القديمة تتلو عليه تعاويذ الطمأنينة،
فتتشقق له تربة القلب
ويخرج،
عاريًا من كل شيء إلا ضوئه،
كأن الله خبّأ فيه أثرًا من صباح الجنة.
ومع ذلك
جاءت الوحوش.
لا وجوه لها،
ولا أصوات،
جاءت كأصداء جوعٍ وُلد قبل الزمن،
تبحث عن أي شيءٍ يشبه النعمة
لتعضّه
وتثبت أن الطهر، إن لم يُكسر،
لن يُفهم.
كان القمح يعرفهم.
يعرف أن الجائعين إلى الظلال
يأكلون الضوء لا ليعيشوا،
بل ليطفئوا ما يذكّرهم بأنهم
فائضو ظلام.
وكان من ضوءٍ
لا يحتمل النار بل يُنيرها.
يمر في ألسنة الاحتراق
كما تمر الأسرار حين تُكشف:
لا نحترق…
بل نتحوّل إلى شكلٍ أرقى من الوجود.
كلما أحاطته الكراهية،
فتح فاهُ كقنديلٍ يتنفس،
وأشعل في صدره ألف شمعة،
وأطلق من رأسه ألف نجمة،
كأن الآلام كانت سُلّمَه
إلى طبقاتٍ أخرى من السماء
لا تُفتح إلا بالجرح.
قالوا عنه: احترق بالحب.
ولم يفهموا…
أن الحب نارٌ لا تمسّ إلا ما اختاره الله مسبقًا،
ولا تلمس إلا النفوس التي قبلت
أن تكون مجرىً للّهبة الأولى
حين قال للوجود: كُن.
وكلما ذبحوه،
ابتسم.
ليس استسلامًا،
بل يقينًا أن الروح لا تُنقصها السكاكين،
وأن الطيبة حين تُسفح
تعود أصفى،
كالماء حين يمرّ في النار.
ولم يبرح السؤالُ موضعه
في يقظته التي لا تنام:
لماذا ينهشونه بهذا الطقس البدائي؟
بهذه المتعة التي تمسّ أطراف القداسة؟
بهذا الشغف الذي يعامل هشاشته
كأنها الباب الأخير إلى الله؟
وكان الجواب يأتيه من داخله،
من تلك النقطة التي يلتقي فيها الفناء بالخلود:
ليسوا يأكلونه…
بل يحاولون قتل النور الذي يذكّرهم
بما دفنوه في أنفسهم.
يحاولون خنقَ الصرخة التي تقول لهم:
هناك شيءٌ طاهرٌ فيكم
لا يموت،
ولو قتلتموه ألف مرة.
كان يعرف.
يعرف أن الضوء جريمة
في عالمٍ يحبّ العتمة،
وأن الطهر عندما يُرى
يُذبح،
لا لأنه ضعيف،
بل لأن قوته
تفضح الجميع.
ولذلك
ظل قائمًا،
كقمحٍ خرج من يد الله مباشرة،
لا يفسده الجوع،
ولا يطفئه السيف،
ولا يزور موته أحد.
وكأنه في كل مرة يُؤكل
كان يعود أعمق، أوسع، أشدّ امتلاءً،
كأن الله يكتب من خلاله
معنى جديدًا للقيامة.