
عزيزتي ضوء،
أكلمك الآن والنهار ما زال عالقا في يدي
كغبارٍ لا يُغسَل.
لم يحدث فيه شيءٌ واضح،
لكنني خرجت منه أقلّ قليلا مما دخلت.
لم أستيقظ مبكرا، أنا فقط لم أنم كما يجب،
فالقلق كان يقلبني كما تُقلَب قطعة نقود
ليعرف إن كان الحظ ما زال يعمل.
نسيت دوائي اليوم،
أو ربما تذكّرته وتجاهلته عمدا،
كأن الجسد يمكن إقناعه بالتأجيل.
مضيت ناقص التركيب،
رأسي سابقني بخطوة وقلبي تأخر عند الأمس.
لا يوجد وقت كافٍ للكتابة،
لذلك تحاول الكلمات أن تُكتب عن كل شيء،
حتى عن اللاشيء،
بين ضغوط الحياة والمواعيد.
كل دقيقة حُرّقة، وكل فكرة تُسرقها الحياة.
تُسحب الفكرة بسرعة في البريك،
الدقائق القليلة التي لا يملكها أحد.
تُنسى وجبة أو اثنتان، يُنسى الجوع،
لكن الخوف من ضياع النص أكبر.
الفكرة تُغرق في كوب القهوة،
تتحرك برفق كي لا تموت على السطح،
وتُبتلع مع الرعب من أنها قد تختفي قبل أن تصل إلى الورق.
الكتابة الآن فعل نجاة،
لكنها تأتي بثمن: تعب جسد، نوم مقطّع، رأس مشوش.
القهوة ليست ساخنة ولا باردة، تشبه الوقت تماما،
كافية للاستمرار لكن غير كافية للطمأنينة.
في الطريق لا تُرى وجوه، تُرى أعمار تُستهلَك
بصمتٍ محترم،
كأن التعب ينحني أمامي ويقول: سامحني
وهو يفعل ما يفعل.
عزيزتي ضوء،
الكتابة اليوم لا تحتاج الفكرة،
تحتاج فقط إلى وقت لا يراقب الساعة،
إلى يد لا ترتجف، إلى قلب لا يُنهك بين الحياة وما يسرقها.
وحين تعود الكلمات إليّ، لا تجدني كاملا،
لكنني أبتسم، لأن الجملة الناجية تخبرني:
الحياة قد تسرق الوقت،
لكنها لا تسرق الحبر من قلبٍ يريد أن يبقى حيا.
وضعت على هامش الجملة الأخيرة:
لا تنسَ الذهاب للسوق، شراء العشاء، علبتين من السجائر الرخيصة،
ربما يطول بك الليل. وتذكّر أن الماء في البراد
لا يخبئ الزمن،
وأن الساعة لا تعرف الرحمة،
لكنّك تستطيع أن تعرف كيف تنجو بابتسامة صغيرة
وقلم لا ينام.
وعندما تقترب الشفاه من قول الوداع
لا تقول شيئا كاملا،
تترك الجملة ناقصة كما تُترك النافذة مواربة
كي لا يشعر الليل بالإهانة.
أقول وداعا للفراغ الذي جلس طويلا قبالتي،
ولك، إن كنتَ هنا،
ولها، إن مرّت ولم تنتبه
أنني كنت ألوّح لها بقلبٍ متعب لا بيد.
الوداع ليس كلمة،
إنه هذا الصمت القصير بين نفسٍ ونفس،
حين تفهم الشفاه أن البقاء أكثر إيلاما من الرحيل،
وأن الرحيل نفسه ليس حلا.
عزيزتي ضوء،
أغلق النص كما تُغلق علبة سجائر في آخر الليل،
وأبقي واحدة في الجيب
للطوارئ،
للوحدة،
للفكرة التي تعود فجأة وتطالب بحياة أخرى.
لا شيء يُحسم،
لا أحد يصل،
لكنني أترك للقلم فرصة أخيرة ليحرس هذا التعب
حتى الصباح.
وإن كان لا بدّ من وداع،
فليكن خفيفا، يشبه ابتسامة لا تُرى،
أو حركة شفاه
تقول:
لا أحد كان هنا،
بما فيهم أنا.