مع تصاعد التهديدات بشن حرب شاملة على إيران، بدأت طهران تتعامل مع التطورات الراهنة باعتبارها مسارًا قد يقود إلى مواجهة عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة. وفي هذه الأثناء، راح بعضهم يعقد مقارنة مباشرة بين مصر عشية يونيو 1967 وإيران، وهي تقف اليوم، في 2026، على الحافة الأخيرة لمواجهة تستعد لها ولا تبادر إليها.
وذهب هذا التيار إلى ربط لحظة جمال عبد الناصر، وهو يتخذ قرارًا حاسمًا بتلقّي الضربة الأولى تحت ضغط حربٍ كان يتوقّعها، بلحظة المرشد الإيراني علي خامنئي، وهو يدير انتظارًا ثقيلًا لا يبدو له بديلًا آمنًا في أتون حربٍ معلنة.
المقارنة، في ظاهرها، جذابة ومباشرة، لكنها في جوهرها مضلِّلة، لأنها تختزل التاريخ في لقطة، والسياسة في انفعال، والحرب في سؤال من يبدأ، لا في سؤال من يملك القدرة على التحكم في مسارها.
ومن هنا يبدأ الالتباس، ومن هنا أيضًا تبدأ الحاجة إلى قراءة أبعد من الإغراءات السهلة للتشبيه، وأقرب إلى تفكيك اللحظة كما هي، لا كما نحب أن نراها.
في كل لحظة توتر كبرى في الشرق الأوسط، يعود سؤال واحد ليتقدّم على غيره، لا لأنه الأهم، بل لأنه الأكثر إغراءً: من يضرب أولًا؟
كأن التاريخ يُختصر دائمًا في ضربة البداية، وكأن الحروب تُحسم في الدقيقة الأولى، لا فيما يليها من حسابات وأثمان وانكشافات بطيئة.
حين تُطرح إيران اليوم بوصفها دولة «تنتظر الضربة» ولا تبادر، يُستدعى شبح يونيو 1967 سريعًا، لا باعتباره درسًا تاريخيًا معقّدًا، بل كحكاية جاهزة تُستخدم لتخويف الحاضر من التريث، ولإقناع الرأي العام بأن من لا يبدأ الحرب يخسرها سلفًا.
وهو استدعاء لا يُنصف التاريخ، ولا يفهم الحاضر، ولا يقرأ ميزان القوى كما هو، بل كما نحب أن نتخيله.
الهزائم الكبرى في التاريخ العسكري لا يمكن اختزالها فيمن ضرب أولًا، بل في طبيعة التحضير، وفي القدرة على تحويل التوقعات والتحذيرات إلى واقع عملي.
وهي لم تقع لأن طرفًا تلقّى الضربة الأولى، بل لأن تلك الضربة كشفت ما كان قائمًا بالفعل من فجوات في التنسيق بين السياسة والجيش، وصعوبات مزمنة في ترجمة التقديرات الدقيقة إلى جاهزية فعلية.
في عام 1967، كان عبد الناصر يعلم، بعد متابعة دقيقة للتوترات الإقليمية، أن مواجهة محتملة مع إسرائيل قد تقع، وأبلغ قياداته بذلك.
كان تحذيره واضحًا، واستراتيجيته متفحصة، لكنه واجه واقعًا معقدًا: جيشًا لم يكن في كامل جاهزيته لمواكبة تلك التقديرات، وفجوةً آخذة في الاتساع بين ما خُطّط له سياسيًا، وما يمكن تنفيذه عسكريًا على الأرض في اللحظة الحرجة.
الضربة الإسرائيلية لم تخلق هذا الخلل، بل كشفت عن نقاط ضعف قائمة في بنية التنسيق والجاهزية.
ومن هنا يصبح القياس على تلك اللحظة، لتفسير ما يجري اليوم مع إيران، أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية لاختزال الواقع في فكرة أن من لا يضرب أولًا يخسر بالضرورة.
اليوم، في 2026، تواجه إيران وضعًا مختلفًا تمامًا، لكنها تتعامل مع مأزق مشابه من حيث الحاجة إلى اتخاذ قرار دقيق في مواجهة تهديد محتمل.
المرشد الإيراني علي خامنئي لا يفتقد إلى الوعي أو إلى التقديرات، بل يعتمد استراتيجية التريث الواعي، مع الاستعداد لكل السيناريوهات الممكنة، مدركًا أن المبادرة في اللحظة الخاطئة قد تمنح خصمه أفضلية لا يمكن تعويضها.
الفارق الجوهري بين الحالتين أن إيران اليوم تتحرك داخل نظام عالمي مضطرب، تتجاوز فيه كلفة القرار حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتدخل في حسابات داخلية وإقليمية ودولية معقدة، بينما كانت حرب 1967 تجري في ظل نظام دولي ثنائي القطبية، بشبكات دعم أوضح نسبيًا لكل طرف.
إيران، مهما قيل عنها أو عليها، لا تقف في موضع المفاجأة الاستراتيجية. هي تعلم أن الضربة محتملة، وتعرف اتجاهها، وتقدّر كلفتها، وتبني حساباتها على امتصاصها لا على منعها. هذا الفارق وحده كافٍ لإسقاط المقارنة السطحية.
فالفارق بين من ينتظر وهو مستعد، ويملك تقديرات دقيقة واستراتيجية واضحة، وبين من ينتظر بينما قدراته أو توقعاته لا تتوافق مع الواقع، هو فارق جذري في طبيعة القرار وفي مسارات الصراع.
الأهم من ذلك أن سؤال المبادرة لم يعد، في ذاته، سؤالًا عسكريًا خالصًا. فالحروب الحديثة، خصوصًا بين دول تدرك أن الصدام الكامل قد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها، تُدار على الحافة، لا في قلب المعركة.
الضربة الأولى هنا ليست فعل شجاعة مجردة، بل قرار سياسي بالغ التعقيد، تُحسب فيه ردود الأفعال قبل الأضرار، والتحالفات قبل الخسائر، وصورة الفاعل في اليوم التالي قبل صورة الهدف في لحظة القصف.
ولهذا فإن الدعوة إلى أن تبادر إيران بالضرب، باعتبار أن ذلك «يخلط الأوراق»، تفترض ضمنيًا أن الأوراق ما زالت على الطاولة نفسها، وأن اللاعبين لم يحددوا مواقعهم بعد، بينما الواقع يقول إن الطاولة أُعيد ترتيبها منذ زمن، وإن خلط الأوراق قد لا يعني تغيير اللعبة، بل تسليم إدارتها كاملة للطرف الآخر.
ولا يمكن فهم هذا كله دون التوقف عند تشريح اللحظة الأمريكية نفسها.
الولايات المتحدة اليوم ليست إمبراطورية مطلقة الثقة كما كانت، ولا قوة عاجزة كما يتمنى خصومها. هي قوة قلقة، مثقلة، قادرة على التدمير، لكنها أقل قدرة على إدارة ما بعد التدمير.
حين تُحشد حاملات الطائرات قرب السواحل الإيرانية، لا يكون ذلك إعلانًا نهائيًا للحرب بقدر ما هو تعبير عن غياب اليقين ببدائلها.
الاستعراض العسكري هنا لغة سياسية، ورسالة موجهة إلى الخصم، وإلى الحلفاء، وإلى الداخل الأمريكي قبل أي طرف آخر.
البيت الأبيض يتحرك في بيئة داخلية منقسمة، مرهقة من الحروب الطويلة، وحساسة تجاه الخسائر البشرية، خصوصًا حين لا يكون التهديد مباشرًا للأمن القومي بالمعنى التقليدي.
والحرب مع إيران، بخلاف الحروب السابقة، لا تعد بنهاية سريعة يمكن تسويقها، ولا بخصم هش يمكن إخضاعه، ولا بجغرافيا بلا ارتدادات.
في الوقت نفسه، تدرك واشنطن أن أي ضربة واسعة قد تُخرج الصراع من نطاق السيطرة، وتفتح جبهات غير مرغوبة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط وربما أبعد. الخشية هنا ليست من انتصار إيراني، بل من قدرة إيران على التعقيد، وعلى تحويل الضربة إلى سلسلة تفاعلات يصعب ضبط إيقاعها.
أما إسرائيل، فرغم نزعتها الدائمة نحو الحل العسكري، فهي أكثر حساسية لمسألة التوقيت. تريد ضربة تُضعف إيران دون أن تجرّ المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة، وتريد دعمًا أمريكيًا كاملًا لا لبس فيه، لا مجرد تفويض صامت.
ومن هنا يتشكل التردد المشترك: رغبة في الفعل، وخوف من كلفته، وانتظار للحظة تبدو فيها الضربة أقل مخاطرة مما هي عليه الآن.
في هذا السياق، لا تبدو «الذريعة» تفصيلًا هامشيًا كما يظن البعض.
فالذريعة في الحساب الأمريكي ليست لإقناع عالم فقد قدرته على الاعتراض، بقدر ما هي أداة لإدارة القرار داخليًا، وتوحيد المعسكر الغربي، وتقليل مساحة التردد والاعتراض.
المبادرة الإيرانية بالضرب لا تمنح واشنطن سبب الحرب، بل تمنحها توقيتها المناسب، وتُبسّط حساباتها، وتُخرج الصراع من المنطقة الرمادية التي تفضّلها إيران إلى ساحة مفتوحة تتحكم فيها القوة الأكبر.
وهنا يظهر الفارق بين التريث والعجز.
فإيران لا تراهن على نصر عسكري حاسم، ولا على ضربة تُنهي الصراع، بل تراهن على رفع كلفة القرار، وتعقيد حساباته، وإبقاء باب التردد مفتوحًا أمام خصم يعرف كيف يبدأ الحروب، لكنه لا يملك دائمًا يقين نهاياتها.
هذا الرهان، مهما بدا غير مريح لمن ينتظرون «الضربة الكبرى»، يعكس فهمًا لطبيعة الصراع في عالم لم تعد تُحسم فيه الحروب بأوهام الضربة القاضية، بل بحسابات الكلفة والقدرة على الاحتمال.
في المحصلة، لا تبدو المبادرة الإيرانية، إن حدثت، قادرة على منع حرب إن كان قرارها قد نضج، لكنها قد تجعل تلك الحرب أشد قسوة، وأوسع نطاقًا، وأقل قابلية للضبط.
الانتظار هنا ليس تكرارًا لخطأ يونيو 1967، بل محاولة لتفادي خطأ معاكس لا يقل خطورة: الدخول إلى الحرب في التوقيت الذي يريده الخصم، لا في اللحظة التي تفرضها حساباتك أنت.
وفي عالم تحكمه السياسة أكثر مما تحكمه الرغبة في الحسم، قد يكون أخطر ما في الحرب ليس أن تبدأ، بل أن تبدأ في اللحظة الخطأ.