كتاب وشعراء

من يهدي الشاعر المنسي أغنية…..بقلم عبد اللطيف رعري

أنا الشاعرُ المنسيُّ
في خندقِ الذكريات،
أُحصي نُدوبَ الوقتِ
كي
لا يفرَّ من صدري الهواء،
وأُرمّمُ من شظايا الصَّمتِ مَرفأً
كانَ يومًا يفيضُ بالضحكاتِ….
لديَّ خلفَ التيهِ أغنياتي الحزينة..
لدي كل نوباتي حدَّ الإغماء..
وفي كل غضبة وصلةٌ للاغتراب ..
وللهاربينَ..
شرفُ احتضانِ الموتِ قربَ بوابتي المُهملةِ…
وأيضاً؛
للعاكفينَ في مِحْرابٍ الهذيان على حدِ السواء
ولي عنفوان الأشياء التِّي تمرُّ عارية تصْحَبُ أيارَ فِي خَرْبِ الدِّيارِ ).
من مدنِ المِلحِ أشتهي رقصتي
على
وتر
الحريق..
من أبهى مزارع الخشخاش
أتصيّد نزلة حمق لا تنتهي…
أتباهى بالعقم والإعاقة
في شوارع اليُّتم والنَّدامةِ ..
لي وجهان بلا وسامة
وجه لي
والآخر لظلي
وأغالي بشكوكي
حين تُصعقُ الشهور من ذيولها..
وحين يلطم الخجل وجه الحنين..
ويفرُّ الدمُ من الوجوهِ
تجدني
على
باب الله
أستجدي نصيبي من نجوم السماء
نصيبي من كنوز الارض
وهؤلاء المرضى بعيون الفجع…!
غير بعيدين عن هذا الوجع
يغطون حقول الليمون بالسواد..
يتمتمون لكسر الأظافر..
يعبرون الهاوية بتوازن الثمالة..
هم لا يضحكون …
نعم يعرقون كالمعزِ..
يغرقون في وحل الأقدام..
أنا من وراء المزهريات
ظِلٌّ
باردٌ
لا تعشقه الأيادي النَّاعمة..
من فوقي سماء بلا نجوم
دخانها يرحل
يرحل
بلا حدود…
وكُلَّما عَادَاني حظِّي في البكاء
أتجملُ لبائعات الأرقِ …
وأتشبَّهُ بالطفلِ الغَارقِ فِي الدَّلالِ …
أتَشبَّهُ بالحِرْباءِ الكَارِهةِ للالْوانِ …للأطْيَافِ
الهَارِبةِ
منَ
الظِّلالِ…
وأدفعُ الوَجهَ خَارِجَ طَوابيرِهِم..
أنثرُ بلا حَياءَ بقَايَا صَدمَتِي بَيْنَ أرْجُلهم..
أتَمتِمُ بأسمَائِهِم
وَطَنِي:
حِكَاية لنْ يُتِمَّها أجَلٌ
ولنْ يُنْهِيهَا قَدَرٌ..
وطني:
آية لا نَبِّي لَها..
كِتَابٌ صنَّفهُ الحَكِيمُ تنزِيلاً للخُلُود..
وتلقَّفَهُ الشُعرَاء وَمْضاً كسَرَابٍ حَائرٍ..
فَتاهُوا فِي الحُلْمِ الأخِيرِ..
رُهْبَاناً بِعصْمةٍ هُولاَميَّة
فَائقة
جَسَّدتْ حَقِيقةَ الرُّوحِ
في البُوحِ والتَّغنِي
فأفرَطُوا في التَّجلي الغَيْرِ مُبَاح..
تَمانعُوا..
تبَايعُوا…
تطبَّعُوا..
وانا الشَّاعرُ المَنْسِيُّ
أُخاطبُ ظِلّي:
أَينَ تَركتَ قَصائدي؟
أفي الرَّملِ الذي ابتلعَ أسْماءَ الراحِلينَ،
أمْ في نافذةٍ انكسرتْ
حِين مَرَّ عَليْهَا صَوْتُ أُمّي؟
أبَيْنَ أمْسٍ لَمْ أنْسَاهُ…
أمْ فِي ظَلامِ الغَدِ الذِّي أجْهَلُهُ..؟
أنا العابرُ بين أبوابٍ بلا مفاتيح،
أحملُ وجهي مثل جرحٍ
وأمشي كي لا يسقطَ منّي المعنى.
أخطأت قارورة عطري
ولم أتشبَّه بأحد
هزمني حظي وعدت للمتاهة
احمل نوايا حرقتي
قلت للرّيح:
يا ريحُ،
خذي عنّي ما ثَقُل،
واتركي لي ما يُبقي الخطوةَ حيّةً
على دربٍ لا يعرفني فيه أحد،
إلّا شجرةٌ وحجرٌ
وكلبٌ عاد من الرمل
ليشمَّ المكانَ وأصابعي.
أنا الشاعرُ…
لكنّ القصيدةَ هي التي تنقذني
كلّما خانتني الذاكرة،
ووضعتني في هذا الخندق
وحيدًا…
إلّا من ضوءٍ
لا أعرفُ إن كان يأتي
أم يذهب….؟
وأمضي…
ليس بقدميّ
بل بما تبقّى من صهيلٍ
كان يومًا يَخترقُ عظامِي .
أمضي كأنّي آخرُ الحفَظة
لأسطورةٍ ضلَّت طريقَها،
وأنا المكلَّفُ بأن أحفظ رمادَها
من بردِ الأزمنة.
أشقُّ الدربَ نحو جهاتٍ
لم يبتكرها الخيالُ بعد،
جهاتٍ تتدلّى منها
أجنحةُ الملائكةِ التي تعبت من النبوءات،
وتنامُ فيها آلهةٌ صغيرة
أُصيبت بالذهول
حين رأت الإنسانَ
يصنعُ لنفسه قبورًا من الفكرة،
ومنافي من السؤال.
أرى نهايةَ عالمٍ
كان يبكي عندما نُولَد،
ويبتهجُ عندما نُغادِر،
وأرى بدايةَ عالمٍ آخر
لا زمنَ فيه
لأن الزمنَ خائفٌ من الانكسار.
أعبرُ جسرًا
معلَّقًا بين الممكنِ والمستحيل،
جسرًا لا يصمدُ
إلا إذا مشى عليه شاعرٌ
خائفٌ من أن يسقطَ
في فراغٍ لم تُسمِّه اللغة بعد.
هناك…
في تخومٍ لا عقلَ يطأها،
ولا خرافةٌ تجرؤ على الاقتراب،
رأيتُ الحقيقةَ
جالسةً على حجرٍ آمن،
تكتبُ مصيرَها بيدٍ مرتجفة،
وتسألني:
«هل تجرؤ أن تُعيدَني إلى المعنى؟»
فقلتُ لها:
ما أنا إلا سليلُ تلك الدمعة
التي نزلت من عينِ الكونِ
حين أدرك أنّ وجودَهُ
لن يكتملَ إلا بالشعر.
وأنا أمضي…
إلى نهايةِ النهاية،
حيث لا عالَمٌ يُحطَّم،
ولا عالَمٌ يُنقَذ،
بل صمتٌ يفتحُ فمَهُ
ويبتلعُ الأسئلةَ كلَّها،
إلا سؤالًا واحدًا
يتشبّثُ بي كطفلٍ ضائع:
لِمَ لا يزالُ الشاعرُ
يحملُ الخندقَ معه
حتى عندما يصل
إلى حافة العدم؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى