تاريخ العرب

” المدينة الإسلامية .. تراث البهجة والعمران “.. كتاب للدكتور خالد عزب

يقول الدكتور خالد عزب الاكاديمي المتخصص في الآثار الإسلامية مؤلف كتاب ” المدينة الإسلامية ” أن المدينة الإسلامية صورة صادقة للحضارة الإسلامية مازالت بقاياها قائمة إلى الآن .

ونراها متناثرة فى العديد من المدن الإسلامية من بخارى وسمرقند فى شرق العالم الإسلامى إلى فاس ومراكش فى غرب العالم الإسلامى . ويجئ هذا الكتاب ليرصد ملامح المدينة الإسلامية منذ عصر الرسول ومكوناتها وحاضرها ومستقبلها .

وذلك فى ثلاثة فصول وخاتمة، أبرزت فيها تراث هذه المدن وخصائصها ، وكيفية توظيفه فى تخريج مهندس المستقبل وفى تربية النشء ، إنه محاولة للربط بين الماضى والحاضر والمستقبل.

مبرزاً من أين انطلق الماضى ؟! ومبيناً نكبة الحاضر ؟ وطارحاً تساؤلات عديدة حول المستقبل ؟

ويتابع قائلا : والحقيقة أن الفكر المعماري متعدد الأوجة من حيث المعايير الإجتماعية والإقتصادية والسكانية ، لذا يأتي هذا الكتاب محاولة للإلمام بهذه الأوجه في تقييم ودراسة المدينة الإسلامية .

لنعيد بناء صورة المدينة الإسلامية كما كانت، فمسارات الحركة والإلتقاء بين ما هو خاص ( المسكن ) ومتطلبات الحياة ( السوق ) والمرافق العامة ( المسجد ) .

كل هذا صاغ البيئة العمرانية والحضرية للمدينة الإسلامية، هذا ما يتطلب حشد الأفكار والغوص في التراث المكتوب وإستلهام النماذج من التراث المعماري،

هنا المكان يحدد وجهتنا ، فالطرق مخصصة للحركة والمباني لأغراض إجتماعية أو تجارية أو صناعية فهل الميدنة الإسلامية سهلة الهضم بصريا، ومتماسكة بما يجعلنا نشعر بحميمية خلال تجوالنا بها،

نعم .. فهي ميدنة ديناميكية كل شيء فيها يتفاعل ويولد روحا لدي زائرها وسكانها، هذا ما أسميه تبعث في النفس طمأنينية ، تجلعنا نتأمل كل التفاصيل في المباني بروعتها المعمارية وتفاصيلها الزخرفية.

فلا نمل كل مرة نتجول فيها نكتشف شيئا جديدا، سنوات تجعل كل واحد مرتبط بها، لذا كان من الصعب علي أجدادنا مغادرة أماكنهم إلي مكان أخر فقد إرتبطوا به وإرتبط بهم .
وهذا الكتاب عزيزي القاريء هو استكمال لمشروع أكبر أقوم عليه منذ سنوات الدراسة بكلية الأثار جامعة القاهرة، منهجي في هذا المشروع هو إعادة بناء رؤي للمدن والعمارة الإسلامية.

بدءا من إعادة بناء علم العمران في كتاب ” العمران .. فلسفة الحياة في الحضارة الإسلامية” إلي كتاب ” فقة العمران ” ثم كتاب ” المجتمع والعمران .. نفوذ الناس في المجتمع الإسلامي ” و كتاب ” هندسة التراث العمراني ” والأن المدينة الإسلامية .

وأنا أعلم يقيناً إن مثلى لا يعطى هذا الموضوع حقه من البحث والدراسة نظراً لقلة البضاعة ، وسعة الموضوع ، ولكنى بذلك جهد المقل ، واجتهدت أن أصل به إلى الصورة التى تليق به .

فإن أصبت فذاك ما أردت والفضل لله أولاً وآخراً ، وإن كنت قد أخطأت ، فحسبى أنى بذلك طاقتى ووضعت لبنة فى طريق من يريد إكمال البناء .

وأخيراً أتقدم بخالص الشكر إلى كل من ساعدنى على إنجاز هذا العمل وأخص منهم : الدكتور عبد العال الشامي أستاذ الجغرافيا التاريخية في جامعة القاهرة والذي رحل عن عالمنا ، كانت المناقشات معه مثمرة للغاية وإستفدت من ملاحظاته .

والدكتور وليد المنيس أستاذ الجغرافيا بجامعة الكويت الذي أهداني مؤلفاته التي تعد مدخلا جيدا لفهم المدينة الإسلامية في سياقها المكاني .

مدخل :

تجمع المعاجم اللغوية والمصنفات التاريخية والجغرافية علي أن المدينة كلمة عربية ، ويدرجها اللغويون في معاجمهم تحت مادة ( مدن ) وهذا ما فعله ابن منظور في ( لسان العرب )

حيث قال : مدن بالمكان : أقام به ، ومنه المدينة ، تجمع مدائن بالهمز ومدن بالتخفيف والتثقيل ، أما الفيروز أبادي فقد أورد معني أخر للمدينة فهي عنده تعني الحصن علي أن يبني هذا الحصن علي أصطمه.

لذلك فإن كل قطعة أرض يبني فيها حصن في أصطمتها تعد مدينة ومما له أهمية هو إشارة الفيروزأبادي إلي ـأن المدينة تعادل من حيث المقومات الأمة،

أما اليعقوبي فقد أشار إلي تعريف أكثر تطورا للمدينة حيث ذكر أن أصل كلمة مدينة يرجع إلي أن ميدنة يرجع إلي جذر ( دين) .

ويضيف الزبيدي إلي هذا التحديد الطريف قائلا أن كلمة ( ودنته) تعني ملكته هو ميدن مملوك ثم يعقب علي ذلك أن جماعة من الناس يرون بأن تعبير ( مدينة ) يرجع في الأصل إلي كلمة ( دين ) لكونها تملك، لذا فإن كلمة المدينة أصلها عريي .

إن محورية الميدنة في الفضاء العمراني في الحضارة الإسلامية ، بدأت مع هجرة الرسول صلي الله عليه وسلم للمدينة المنورة ، حيث أطلق علي يثرب محل هجرته لفظ ( المدينة ) ، والتي أضيف لها كلمة المنورة من باب التكريم .

لكن كانت المدينة مستقر حضري به والي وقاضي وسوق وحمام ومنبر أي مسجد جامع، وهذا ما يجعل منها مقر السلطة سواء أكانت عاصمة لدولة ، أو مركز حضري يتوسط مجموعة من القري .

من هنا فإن النسيج الحضري لهذه الميدنة به ديناميكية وفاعلية كبيرة .إن فعل عمران الأرض وعمارتها إرتكز علي منظومة من القواعد المتكاملة التي صاغت كل شيء في الحياة .

فنشأ علم العمران منذ القرن الأول للهجرة وغايته سعادة الإنسان علي الأرض وأدواته العلم والعمل ، وعمل عبر قواعد فقه العمران وأبرزها إحياء الموات .
فإحياء الأرض هو عمارتها بالبناء والزرع ، وهذا مصدر من مصادر التنمية المستدامة في مفهموم العمران.

ولا يتم إلا في الأرض الموات ، أي غير المعمورة أو المملوكة لأحد فالأمام الشافعي ، قسم بلاد المسلمين إلي قسمين : عامرا ، ومواتا .

فالعامر لأهله : أي لملاكه ، وكذلك مرافقه ، مثل الطرق ، الأفنية ، القنوات ، الجسور ، التي لا يصلح حال العامر إلا بها ، وحكمها حكم العامر، أي لانتفاع ملاك العامر .
الموات وهو قسمان :

1- موات كان عامرا لأهل معروفين في الإسلام، ثم ذهبت عمارته ، فصار مواتا لا عمارة فيه ، فهو لأهله هو ومرافقه كالعامر لا يملكه أحد إلا عن أهله .

2- موات لم يملكه أحد في الإسلام، لا بعرف ولا بعمارة ، فهو ما يصح إحياؤه ، لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( من أحيا مواتا فهو له ) سواء بإذن الخليفة أو الوالي أو من دون إذن .

والموات عند الشافعي مالم يكن عامرا أو حريما لعامر، وإن اتصل بعامر، بمعني أن يكون الموات مجاورا لتجمعات سكنية مستقرة ، كالمدن والقري، أو متصلا بظهيرها ، أي متصلا بالأراضي الزراعية المحيطة بالمدن أو القري .

أحكام الإحياء مستمدة من العرف ، وهو ماتعارف عليه الناس وأرتضوه فيما بينهم ، وهذا أحد أسس فقه العمران ، ولذا تباينت شروط الإحياء ، فنجد الماوردي في إحياء الأرض
الموات بالنباء يذكر ما يلي :

أن يكون البناء مسقفا ، لأن كمال العمارة لا يتم إلا بالسقف ، أي باكتمال الشخصية البصرية للمبني وإظهارها .
أن تكون مواد البناء قوية ومتينة ومعمرة ، مثل الحجر ، اللبن ، المدر .

لا يعد بيت الشعر والعريش والأخبية ، أبنية يتم بها الإحياء ، إنما الارتفاق الذي يزول بزوال الانتفاع بها، أي برحيل المرتفق بها ، أي الساكن بها .
إن تشجيع حركة العمران في المدن يتطلب في بعض الأحيان مبادرات من السلطة الحاكمة ، ففي هذا السياق نري السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون يختار موقع البركة الناصرية في موقع غير عامر في القاهرة ،

فجذب إليه الناس لسكناه ، وصار من أكثر أخطاط القاهرة عمارة ، وحدث شيء مماثل عندما أراد السلطان الناصر محمد بن قلاوون بناء مسجد عام 711 هجرية .
فأشار عليه الفخر ناظر الجيش بموقع بستان علي ساحل مصر ( الفسطاط ) وافتتح المسجد في العام التالي فبني الناس حوله وصار المكان عامرا.

هنا لابد من سبر غور المدينة وهذا لن يتأتي إلا عبر فهم طبيعة النسيج الحضري :

وهو مجموعة المكونات الحضرية التي تتألف من كتل بنائية وفراغات وأن نمط العلاقة خلالها يشير إلي نمط العلاقة بين الأنسان والمجتمع

إذ تمثل الكتل الجانب المادي، ويمثل الفضاء الجانب الروحي ، كما يعكس النسيج الحضري شكل المدينة الحضري من خلال بيئتها التي تشكلت من إستعمالات الأراضي ، التي نري فيها نسيج عضوي تنساب من خلاله الحركة في المدينة .

إن الحركة داخل المدينة تقسيمها مرتبط باحتياجات السكان ، فاحتياجات سكان الحي توفرها السويقة علي طرفة والتي يجب أن توفر متطلبات الناس اليومية خاصة الخبز والخضروات والفواكة وغيرها.

فيما ما يحتاجة سكان المدينة سيكون متوافرا في السوق المركزي ، في حين أن الأحياء السكنية توفر الخصوصية بصورة كبيرة بعيدا عن إختراقها دون سبب،
هذا ما جعل الفقهاء يؤكدون علي ذات المستوي الفرق ما بين المسجد الجامع والمسجد،

فالمسجد الجامع هو الذي يجمع سكان المدينة لأداء صلاة الجمعة ، بينما مساجد الأحياء كانت تؤدي فيها الصلوات الخمس ماعدا صلاة الجمعة .

كان هذا التقسيم الحضري بسبب الحرص علي وحدة الجماعة داخل المدينة، ولذا اعتبرت الميدنة داخل أسوارها مجتمع واحد متضامن،

ظل هذا النظام قائما إلي العصر المملوكي حين أقيمت أول صلاة جمعة في مسجد أصلم السلحدار ، فسقطت هنا الفروق بين المسجد الجامع ومسجد الحي .
وهذا نتاج طبيعي لتوسع المدن بصورة كبيرة فصار المجال الحضري كبيرا إلي حد لم يكن الأوائل يتصورونه.

كان علماء المسلمين الأوائل مدركين أهمية المجال الحضري للمدن، فرصدوا إنشأ مدن مثل البصرة والكوفة والمنصورة في بلاد السند، ومراغة في بلاد ما بين النهرين والفسطاط والقيروان، وتطور هذه المدن،

ورأينا في العصر العباسي طفرة بأنشأ 50 مدينة وبلدة ، مثل الهاشمية ، والعسكر في مصر، وأضنة في تركيا، وبغداد، والمحمدية في بلاد فارس،
هذا كله يجعلنا نقول أن الحضارة الإسلامية أحدثت ثورة حضرية في تاريخ العالم تستحق أن نرصدها ونحللها،

بل صارت هذه المدن مدنا تشع بالعلم من نور علمائها، وإرتبطت المدارس الفقهية بالمدن، فالمذهب الحنفي في الكوفة وبغداد، والمذهب المالكي في المدينة المنورة، والمذهب الشافعي بين بغداد والفسطاط، والمذهب الحنبلي في بغداد.

إن الصورة البصرية للمدينة الإسلامية لا تذكر إلا ويذكر معها الخط العربي الذي شكل مع الوقت هوية بصرية لواجهات المدن وجدران المنشأت الداخلية ،
ولذا فالخط هنا سواء كتبت به أيات قرأنية أو نصوص تأسيسية أو أدعية علي واجهات المباني .

ليس فنا فقط ولا تسجيلا توثيقيا فقط ، بل أيضا تعبيرا جماليا شكل جانبا هاما للهوية البصرية للمدن الإسلامية .

إنظر علي سبيل المثال النص التأسيسي بطول واجهة المجموعة المعمارية للسلطان المنصور قلاوون في القاهرة والمكتوب بخط الثلث
، أو روائع الخط العربي في مجمع السليمانية في إستنبول ، بل شاع نص قصيدة بردة البوصيري في القاعات الرئيسية بالمنازل الإسلامية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى