
رشـفت الـشهد من حرف معتّقْ
بـنـظـمٍ سـلـسـلٍ عـــذبٍ تـدفّـقْ
جـبـيـنٌ بـالـملاحة هــزّ روحــي
كـإصـباحٍ بـنـور الـحـسن أشـرقْ
ومــــا يــذكـي مـآقـيـها جــمـالٌ
سـهـام الـشـوق لـلأرواح تـسرقْ
ورمــش سـاحـر إن رفّ وجــدًا
بـسـحرٍ يـجعل الأنـفاس تـشهقْ
ورودُ الــخـد تـشـذيـني جــمـالاً
تــفـتـح بـالـمـلاحة ثـــم أبـــرقْ
إذا ظــهـرَتْ تـبـدّى لــي ضـيـاءٌ
بــنـور مـحـاسنٍ والــدّل أغــدقْ
وتـشـرق مــن ثـنـاياها شـموسٌ
كــــدُرٍّ لاح فـــي نــظـم مـنـمّـقْ
كـحـيلُ الـطـرف فـتّـان الـمـحيا
وظبيٌ في دروب الحسن أسبقْ
بـجـيـدٍ سـامـقٍ أشــذى وأبـهـى
سـناء فـي سـماء الحسن يطلقْ
تــراقـيـهـا عــنـاقـيـد افــتــتـانٍ
مــــــدلاّةٍ كـــكــرم لا يـــصــدّقْ
أقــبـِّل كـــل ضــلـعٍ ثــار شـوقـاً
بـبـحرِ جـمـالِها قـد كـدتُ أغـرقْ
يـصـافحُها الـجـمالُ بـكلِّ خـطوٍ
كـسـندانٍ إذا مــا الـصدر أطـرقْ
إذا هـبّـت ريـاح الـوصل قـولي:
عـلـيـك الله يـــا خــلـي تــرفّـقْ
فـهل يروى جفاف الروح يوماً؟
ولــي حـلـمٌ سـأفـرحُ إن تـحقّقْ
فـزدنـي مــن مـعينك، إنّ قـلبي
بــكـل مـسـافـةٍ يـعـلـو ويـعـلقْ!
أعــانـق جـيـدها تـوقاً وشـوقاً
وألــثـم كــل جــزء قــد تـحـرّقْ
أنــــا عــشــقٌ وســعـدٌ مـسـتـمرٌّ
ســـــرور دائـــــمٌ والله وفّـــــقْ
سـأمسحُ كـلَّ دمـعٍ فـاضَ حـزناً
وأبــدلــهــا بــقــبــلاتٍ تـــرتّـــقْ
سأسكبُ فيضَ حبٍّ ليس يفنى
عـلـى أضــلاع قـلـبٍ قـد تـمزّقْ
فـمـثلك فــي الـملاحة لا يـبارى
وغـيـرك مـعـدم بـالـحبِّ أخـرقْ
إذا هــبّــت مــــآسٍ لا تــخـافـي
فــفـرحـي وارفٌ أنــمـى وأورقْ
وإن هـبّـت ريــاحُ الـسـعدِ مـنّي
فـدوسي فـوقَ حـزنٍ قـد تـعمّقْ
وسـيري فـي ركـابِ الحبِّ، إنِّي
كـفـيلٌ بـالـمسرَّةِ حـيـنَ أعـشـقْ
خـلـقتِ مـسـرَّةً حُـسـناً وصـفواً
وإيــنــاسًـا وودًّا قـــــد تــدفّــقْ
جـديـرٌ فـيـك مــا يـحلو ويـعلو
فـأنـت أصـيـلةٌ بـالـجودِ تـسـبقْ
فــلــلأحـزان جــمـهـورٌ كــئـيـبٌ
وفـيك جمالُ يوسف قد تمنطقْ
سعد صالح هواش
اليمن
أيها الشاعر الكريم سعد صالح هواش،
قرأت قصيدتك “بين سندان العشق ومطرقة الحنين” المنشورة في مجلة العربي اليوم، بكلّ ما أثارته في نفسي من أصداء الشعر الأصيل، وبكلّ ما استدعته من ذاكرة القصيدة العربية الممتدة من الجاهلية حتى عصرنا هذا.
ها أنا، وقد قضيتُ عقوداً أتذوّق الشعر وأحلّله، أجلس أمام نصّك وأرى تجلّياتٍ عدة: أرى رحلةَ الشاعر بين ثنائيات الوجود (العشق/الحنين، السندان/المطرقة، الجمع/الفراق)، وأرى بصيرةَ الحرف الذي يدرك أن الشعر موقفٌ من العالم قبل أن يكون كلماتٍ منتظمة.
أولاً: في البناء والهيكل
اخترتَ لقصيدتك عنواناً مزدوجاً، “بين سندان العشق ومطرقة الحين”، ثم وضعتَه في تشكيل بصريّ يكرّس ثنائية الصراع. هذا التشكيل لم يكن ترفاً زائداً، بل مقدمة ضرورية للدخول في جوّ القصيدة. القصيدة تكاد تكون عمودية المبنى، تحافظ على وحدة البيت وإيقاعه، لكنّ روحها المعاصرة تتسرّب من خلال الصور الاستعارية الجريئة (“سهام الشوق للارواح تسرق”، “عناقيد افتتان”)، وهذا مزيجٌ صعب، أن تحافظ على الأصالة دون أن تسقط في التقليد، وأن تكون معاصراً دون أن تخرج عن المألوف، وقد نجحتَ فيه إلى حدّ كبير.
ثانياً: في اللغة والصور
لغتك سلسة كالشهد (كما وصفتَها في المطلع)، لكنها تحمل طاقةً تركيبيةً عالية. لاحظتُ تكرارك لحرفي السين والشين، مما أعطى القصيدة نغماً موسيقياً داخلياً كهمسٍ دائم (“شهد”، “سلسبل”، “أشذى”، “أشرق”، “شوق”، “سرق”). هذا ليس صدفة، بل صنعة شاعر واعٍ لخياراته.
صورك مستمدّة من تراثنا الشعري (الظبي، الجيد السامق، اللمى، الرشا) لكنك ألبستها ثوباً جديداً. فالحبيبة هنا ليست مجرد محاسن جسدية، بل هي “إصباح بنور الحسن”، و”شموس تشرق من ثناياها”، و”كرم لا يصدق”. إنك ترفع الحبيبة إلى مرتبة الكون، وتجعل من جمالها مصدراً للنور والحياة. وهذه سمة الصوفيَّة في وصف المحبوب، لكنك تفصّلها على قياس العشق الإنساني الأرضي.
ثالثاً: في الموضوع والرؤيا
القصيدة ليست غزلاً صرفاً، بل هي قصيدة رحلة وجدانية. الشاعر يقف في منتصف المسافة بين “سندان” العشق الثابت الصلب، و”مطرقة” الحنين المتحركة القاصمة. هو يعاني من ضغط الاثنين معاً. العشق يرتفع به (“يعلو ويعلق”)، والحنين يهوي به إلى الأعماق (“كدت أغرق”). وهذا الموقف الوجودي المضطرب هو ما يمنح القصيدة عمقها الإنساني.
ثم يأتي دور الشاعر المُخلِّص، المتعهّد بإسعاد محبوبته (“سأمسح كل دمع”، “كفيل بالمسرة حين أعشق”). هنا يتحول الغزل من شكوى ووصف إلى عهد ووعد، وهذا تحوّل طريف يعيد للشاعر دوره الفاعل في علاقته، لا المُتأمّل السلبي فقط.
رابعاً: في الخاتمة واللمسة الأخيرة
ختمتَ القصيدة ببيت يربط جمال المحبوبة بجمال النبي يوسف عليه السلام (“وفيك جمال يوسف قد تمنطق”). هذه الإشارة ترفع القصيدة من مستوى الغزل العادي إلى مستوى التغني بجمالٍ مفارق، جمالٍ أشبه بالمعجزة، مما يضفي عليها هالة من القداسة والبهاء.
بعض الملاحظات التي لا تنقص من الجمال:
· هناك تكرارٌ في بعض الأفكار والمفردات (الجمال، الحسن، الملاحة) مما قد يجعل الإيقاع الدلالي متوقعاً في بعض المقاطع.
· انتقالاتك بين أجزاء القصيدة سريعة أحياناً، كأنما تتنقل بين ومضات خواطر متلاحقة، وقد يحتاج القارئ غير المتأني إلى وقفات أطول لالتقاط الأنفاس.
في الختام:
هذه قصيدة تُعيد للغزل العربي رونقه، من دون أن تنسى روح العصر. إنها قصيدة الحرف المعتّق الذي رشفتَ منه، كما قلت. قصيدة تذكرنا بأن الشعر الحقيقي هو ذلك الذي يلامس شغاف القلب، ويقيم في منطقة اللايقين بين السندان والمطرقة، ليخرج لنا كائناً جديداً، صاغته المعاناة وصقله الأمل.
أهنئك عليها، وأتطلع إلى المزيد من إبداعك الذي يجمع بين أصالة الموروث وجرأة المعاصر.
كل التحية والتقدير،
ناقدٌ رأى في قصيدتك بصمةً تستحق البقاء.