كتاب وشعراء

قلمٌ وجمر…بقلم فادي عايد حروب

ليس القلمُ مجردَ قصبةٍ جافة، بل هو عصا موسى التي تشقُّ بناتِ الأفكارِ من الظلماتِ إلى النور، ومن الذلِّ إلى العزّة، وهو ذاته الحطّابُ الذي يحتطبُ من غابةِ العمر ليُوقدَ نارًا لا تنطفئ. في البدءِ كانت الكلمة، وفي المنتهى ستكونُ الكلمة، وما بينهما جمرٌ يقتاتُ على خلايا الروح كي لا تكونَ ذليلةً للسانٍ لاعقِ الأحذية.

إنَّ هذا القلمَ، في حضرةِ الحقيقة، ليس أداةً للتدوين فحسب، بل مسبارٌ يكشفُ عورةَ الزيف، وجمرٌ لا يستقرُّ إلا في كفٍّ ترفضُ الانحناء. غير أنّ المشهد أضحى سوقًا تُعرضُ فيه اليراعاتُ للمزايدة، حيث استبدل المتملّقون وهجَ الجمر ببريق المطامع، وحوّلوا قدسيّة البيان إلى طلاءٍ يُزيّن وجوهَ الباطل، ومسحوا بأحرفهم أحذيةَ العابرين على كراسي الزيف.

الوجودُ هنا ليس حيّزًا يُشغَل، بل هو المسافة الفاصلة بين صرخة الميلاد وصمت اللحد، والقلمُ هو الشاهد الذي لا يخون أمانة النزيف. أمّا الذين صاغوا من الحروف ستائرَ تُخفي قبح الواقع، ومن العبارات سجادًا يطؤه أصحاب النفوذ، فقد سقطوا في فخّ العدم المعنوي؛ فالكتابة التي لا تحرق أصابع صاحبها بالحقّ رمادٌ تذروه الرياح.

فلسفةُ الحرف تأبى أن يكون اليراعُ ممسحةً، أو أن تتحوّل الجملة إلى انحناءةِ ظهر. فالكاتب المتملّق كائنٌ مجتثّ الجذور، يعيش في صدى الآخرين لا في صوته الخاص، يظنّ أنّه يرتفع وهو في قاع السقوط يتردّى. إنّ التملّق الأدبي ليس سقطةً عابرة، بل خيانةٌ وجوديّة للأمانة التي حُمّلت للإنسان.

سيبقى القلم الشريف عصيًّا على الترويض، يحمل جمره في عتمة النفاق ليضيءَ دروب الأحرار، وسوطًا يجلد ظهور الذين جعلوا من الحرف سلعةً. فما نفع البيان إذا صار حجابًا؟ وما قيمة القلم إذا لم يكن نبضًا للصدق في محراب الوجود؟ سيبقى الجمر مشتعلًا، ويبقى ما خطّه الأحرار منارةً، بينما تذرو الرياح أقلام القشّ إلى طيّات النسيان.

جَمْرُ اليَرَاعِ

أَمَا وَالَّذِي أَعْطَى البَيَانَ جَلَالَةً

لَقَدْ ضَلَّ مَنْ خَانَ الحُرُوفَ وَقَدْ مَرَقْ

رَأَيْتُ القَرِيضَ العَذْبَ جَمْرًا بِكَفِّ مَنْ

أَبَى أَنْ يَكُونَ الطَّرْسُ مَمْسَحَةَ الوَرَقْ

فَكَمْ مِنْ يَرَاعٍ صَارَ سَوْطًا لِظَالِمٍ

وَكَمْ مِنْ مِدَادٍ بَاعَ صَاحِبُهُ الحَدَقْ

إِذَا لَمْ يَكُنْ نَبْضُ الكِتَابَةِ ثَوْرَةً

فَقَبْضُ رَمَادٍ لَيْسَ يُنْجِي مِنَ الغَرَقْ

عَصَا مُوسَى فِي كَفِّ الأَبِيِّ بَصِيرَةٌ

تَشُقُّ ظَلَامَ الزَّيْفِ فِي لُجَّةِ الفَلَقْ

فَمَنْ يَلْعَقِ الأَحْذِيَةَ يَبْقَى مُهَمَّشًا

وَمَنْ يَعْشَقِ الأَحْرَارَ يَسْمُو بِمَا نَطَقْ

خِيَانَةُ هَذَا الحَرْفِ هَدْمٌ لِمَنْ بَنَى

فَلَا تَنْحَنِ لِلرِّيحِ يَا نَبْضَ مَنْ صَدَقْ..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى