
مازلتُ أحاول أن أُنقذ الطّفل الذي في داخلي؛
أن أُنقذه من أن يكبرَ
فيصير حزنا جديدا في سجّلات الوطنِ…
أن أُنقذه من أن يتعلّم كيف يكون خيميائيّا
يحوّل بكاءه ضحكا
كلّما دعاهُ كلّ شيء
للبكاء
وأن أنقذه من هواية فكّ أحجية العالمِ
فأنقذه منّي!
مازلتُ أحاول إنقاذ الطّفل الذي في داخلي
لهذا
مازلتُ أشتري له الشّكولاتة والسّكاكر التي يحبّها
رغم تحذيرات الأطبّاء.
مازلت أعلّمه ألعابا جديدة لا تجعل عينيه تحدّقان في الفراغ؛
ألعابا لا تعلّمه أنّ الموت والولادة وجهان للّون الأحمر
وتعلّمه أنّ انتصاب أصابعه
حين يمارس الكتابة
طريقة أخرى للانتحار…
ومازلتُ، لأجله، أختلق قصص حبّ مع نساء طيّبات؛
نساء يجدن الطّبخ،
يجدن ترتيب الفوضى في غرفته،
يجدن تقبيله حين يصرخ
ولهنّ أحضان دافئة كأحضان الأمّهات…
ثلاثون عاما من الكتابة،
وأنا – مع كلّ قصيدة جديدة – أنصب مشنقة جديدة لجثّة لي
حتّى لا أتكاثرَ داخلي
فيتيه الطّفل الذي في داخلي
في زحامي/ بيني
منّي
وفي زقاق منسيّ حيث تتراكم الأسئلة
تحرّضه الأجوبة على طفولته
فيكبر في غفلة منّي…
مازلتُ أحاول
– أنا الذي لا أطفال انتظروا عودتي من يومي،
لا أطفال تسلّقوني كما يتسلّق الأطفال أشجار اللّوز
ولا أطفال ناموا على ذراعي –
مازلتُ أحاول أن أنقذ هذا الطّفل الذي في داخلي
فأحكي له أنّ الموتى ليسوا كما يظن
بل هم أطفال بأجنحة يلعبون الغمّيضة في حديقة الله
ويسألني عن الحرب
فأدّعي أنّها لعبة كبيرة ورديّة اللّون
ابتدعها أطفال كبار
ليذهب أكبر عدد ممكن من الموتى للعب الغميّضةِ
وإن أحرجني بالسّؤال عن البلل في سروالي كلّما رأيت حبيبتي تستحم في خيالي
أجبتْ:
ذلك عصير الحياة
– يا صغيري –
يشربه الكبار ليعودوا أطفالا.
فهل أخطأت في شيء
إن أنا أحرقت كلّ دفاتر ذاكرتي
حتى لا يقرأها، خلسة، الطفل الذي في داخلي
كما كنت أقرأ – وأنا طفل – كتب أبي
فيكبر ذلك الطّفل
ويصير حزنا جديدا في سجلّات الوطنِ؟!