
[الجزء الثاني: من المعرفة إلى التحقُّق، ومن شهود الحقيقة إلى تهذيب الوجود]
إذا تبيَّن للوعي أنَّ اللهَ هو الوجودُ الحقّ، سقطَ كلُّ ما سواه من ادّعاءات الاستقلال، وتهاوى وهمُ التملّك والسيطرة. فالإنسانُ ليس مركزَ الكون، بل آيةٌ فيه؛ ليس فاعلًا بذاته، بل مُستخلفٌ بقدَر. وحين يستقرّ هذا الإدراك في القلب، ينكسر صنمُ “الأنا”، وتتحوّل الحياة من صراعٍ على البقاء إلى عبادةٍ في مسار الوجود.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ — ليس نفيًا للفعل، بل تحريرٌ له من غرور النسبة، وردٌّ له إلى مصدره الحقّ.
إنَّ معرفةَ اللهِ عزَّ وجلَّ ليست ترفًا فكريًّا ولا تأمُّلًا ذهنيًّا مجرّدًا، بل هي الغايةُ الكبرى التي من أجلها خُلِق الإنسان. والعبادةُ في جوهرها معرفةٌ وتحقُّق؛ إذ كيف يعبدُ المرءُ مَن لا يعرف؟ غير أنَّ المعرفةَ الحقّة ليست تلك التي تُخزَّن في الذهن كمفهومٍ جامد، بل هي التي تُحوِّل القلب وتُعيد بناء الوجود على أساس اليقين.
حين يدرك العبدُ أنَّ الله هو الحيُّ القيّوم الذي لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، وأنَّ كلَّ ما سواه فانٍ زائلٌ إلا وجهه، تنقلب موازينُ الوجود في نفسِه: تصير الدنيا ظلًّا عابرًا، ويغدو الله وحده الثابتَ الباقي الذي تدور حوله كلُّ الممكنات. هنا تبدأ رحلةُ الانسلاخ من الوهم؛ وهمِ الاستقلال، ووهمِ الغِنى، ووهمِ الأبديّة في دار الفناء.
[التجلّي السلوكي: العبودية بوصفها اكتمالًا وتحرّرًا]
العبوديةُ لله ليست سقوطًا في الدونيّة، بل صعودٌ إلى الحقيقة؛ إذ لا يتحرّر الإنسانُ حقًّا إلا إذا عرف لِمَن يكون. فالعبدُ لله وحده، سيّدٌ على ما سواه. وحين تستقرّ هذه الحقيقة في القلب، تصير الطاعةُ طمأنينة، والتكليفُ تشريفًا، والقدرُ بابَ رضا لا ساحةَ صراع.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ — أي ليعرفون، فإذا عرفوا سكنوا، وإذا سكنوا استقاموا.
ومن التوحيد الخالص ينبع التحرّر الحقيقي؛ فمَن عرف أنَّ الله هو الرزّاق، لم يذلّ لمخلوق، ومَن أيقن أنَّه الضارّ النافع، لم يخف سواه، ومَن شهد أنَّه العزيز الحكيم، استراح من قلق المستقبل وتوكّل على مَن بيده مقاليد الأمور. هذا التحرّر ليس سلبيًّا، بل هو أعلى درجات الإيجابيّة؛ إذ يقول الإنسان الحقّ ولو على نفسِه، ويستقيم دون مساومة، لأنَّ رضا الله عنده أعلى من كلّ اعتبار.
[الميزان الأخلاقي: من المعرفة إلى الأمانة]
معرفةُ الله تُعيد ترتيب القيم؛ فلا فضلَ لقوّةٍ بلا عدل، ولا لمعرفةٍ بلا خشية، ولا لعبادةٍ بلا أثر. الأخلاق هنا ليست سلوكًا اجتماعيًّا فحسب، بل ثمرةُ يقين: فمن عرف الله رقّ قلبُه، ومن شهد عظمة الحقّ تواضع، ومن أيقن بالحساب استقام ميزانه.
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ — ميزانٌ لا يختلّ ولا يُجارى.
[التجلّي الكونيّ: آياته في الآفاق والأنفس]
ولم يتركِ اللهُ الإنسانَ في عتمة الحيرة، بل فتح له كتابين متلازمين: كتاب الوحي، وكتاب الكون.
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾؛ ففي دقّة الخليّة حكمة، وفي اتّساع المجرّات قدرة، وفي النفس الإنسانيّة سرٌّ ينطق بأنَّ وراء هذا النظام خالقًا عليمًا حكيمًا.
إنَّ الكون بأسره تسبيحٌ جارٍ، وكلّ ظاهرةٍ فيه حرفٌ من حروف الذكر، غير أنّ البصائر وحدها هي التي تسمع:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
[المآل الوجداني: الطمأنينة والرجوع]
وحين تكتمل الدائرة، يعود العبدُ إلى العالم لا غريبًا عنه، بل أمينًا فيه؛ يرى الألم تربية، والنِّعمة أمانة، والموت عبورًا لا فناء. هناك تهدأ الأسئلة، لا لأنّها أُجيبَت، بل لأنّها وُضِعت في موضعها الصحيح.
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ — حقيقةٌ تُعاش لا عبارةٌ تُتلى.
الخاتمة
مِحرابُ الذاتِ ليس اعتزالًا للعالم، بل عودةً إليه بقلبٍ موصولٍ بالله. أن تعرفه فتتحرّر، وأن توحّده فتستقيم، وأن تُسلِم له الأمر كلّه فتطمئن.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ —
هذا هو المِحراب، وهذا هو المُنتهى.