كتاب وشعراءمنوعات

زكريا شيخ أحمد شاعر الألغام الخفية والمرايا الصافية بقلم: محمد وليد يوسف

زكريا شيخ أحمد شاعر الألغام الخفية والمرايا الصافية

بقلم: محمد وليد يوسف

زكريا شيخ أحمد صوتٌ هادئ لكنه جارف. جرحٌ كورديّ سوريّ ينزف كرامة وحرية ودماً حاراً ، لكنه يكتب بلا صراخ.
منذ 2014، حيث تسللت حكمته من بين الرماد، مشككةً في اليقين، مائلةً إلى التأمل الفلسفي، وصولاً إلى 2021 حيث اشتدت الأسئلة الوجودية وازداد التحدي جرأةً وهدوءا في آن، تتشكل تجربة زكريا شيخ أحمد بوصفها مساراً داخلياً لا مجرد تواريخ متعاقبة.

في 2017، مزّق الحجاب بين الحياة والموت، مقدّماً رؤية قاسية للألم، سوداوية ومكثفة، كأن النص غرفة معتمة نرى فيها أنفسنا فجأة.
وفي 2018، اشتد البعد الفلسفي، واقتربت اللغة من تخوم الصوفية، حيث يتداخل الوجود باللاوجود، وتغدو الأسئلة أهم من الإجابات.

و في 2021: تساؤلات وجودية جريئة، بمزيج من العبث و التأمل و التحدي للسائد

زكريا شيخ أحمد لا يكتب ليشرح العالم، بل ليحتمي منه. يكتب كما لو كان يزيل ألغاماً من رأسه، أو يزرع وردة صغيرة في قلب عالم محترق.

الأسلوب الأدبي: البساطة التي تجرح

لا يتوسل البلاغة الزائدة و لا يركن إلى التراكيب المعقدة. لغته قريبة من الكلام اليومي، لكنها مصفّاة بعناية، كأنها غُسلت من الزوائد و بقي فيها جوهرها فقط.
منشفة، سيجارة، مفتاح، خشبة — أشياء عادية تتحول في نصوصه إلى مراكز قلق و تأمل.

يكتب شعر النثر، أو كما يصف نصوصه: “قصائد لا تتشبه بأحد”.
جمل قصيرة، إيقاع داخلي خافت، تنفس هادئ، لكن خلف الهدوء غصّة واضحة. أحيانا تأتي نصوصه على هيئة شذرات، لكنها مكتملة الدائرة، كأنها فكرة بلغت ذروتها ثم توقفت عند الحافة.

الفن السردي داخل الشعر

يمزج بين الشعر والحكاية القصيرة جداً ببراعة لافتة.
في نصوص مثل “قصة قصيرة جداً” أو “صخرة ورجل”، تتكثف الرمزية داخل قالب حكائي مقتضب، ينتهي غالباً بمفارقة خفيفة تترك أثراً ثقيلاً.
هنا لا يكون السرد غاية، بل وسيلة لتكثيف الرؤية الإنسانية والفلسفية في آن.

الكتابة كأداة نجاة

في نصه “رصاصة في الرأس” يكتب:

“تكتب فقط لتزيل بالكتابة ألغاماً مهيأةً للانفجار يزرعها في رأسك الأشرار.”

بهذه العبارة يكشف عن فلسفته الشعرية:
الكتابة ليست عرضاً و لا مجداً، بل ضرورة وجودية. ليست تفسيراً للعالم، بل محاولة للنجاة منه.
الشاعر عنده ليس مفسراً، بل كائناً يقاوم الانفجار الداخلي بإعادة ترتيب الفوضى عبر اللغة.

مفاهيم وجودية مبطّنة

الإنسان كحدث لا كهوية

في نص “أنا عالم من الأحداث”، تتحلل الأنا إلى سلسلة تحولات، كأن الذات ليست جوهرًا ثابتاً بل حركة مستمرة. إنها رؤية ديناميكية للهوية، قريبة من الفلسفات الوجودية التي ترى الإنسان فعلاً لا تعريفاً.

الخشب والقلق المصيري

في “الأخشاب”، تتحول المادة الجامدة إلى رمز. ينام الخشب السعيد، ويقلق الآخر الذي لا يعرف مصيره.
الجماد هنا ليس استعارة بل مرآة. نحن أيضا أخشاب تنتظر مصيرها.

الحزن المعرفي

حزنه ليس مزاجاً، بل وعياً يمرره عبر دعابة خفيفة أو صورة مفاجئة، لكنه حزن يعرف لماذا هو حزين.

التمرد الهادئ

حتى عندما يكتب عن الموت، لا يستسلم له. يفاوضه بالفكرة، بالسخرية، بالصورة، كأنه يقول: لن أهرب منك، لكنني لن أكون صيدك السهل.

تقنيات فريدة

كتب نصوصاً يمكن قراءتها من الأعلى إلى الأسفل ومن الأسفل إلى الأعلى دون أن يختل معناها؛ تمرين لغوي يكشف عن انضباط بنائي لافت.
كما يدعو إلى حرق اسمه وصورته، في احتجاج رمزي على سلطة الهوية الجاهزة.
سخريته لا تصرخ، بل تهمس. في نص “نباح” مثلاً، ينتهي الأمر بتحوّل القارئ إلى النابح مفارقة هادئة لكنها موجعة.

المقارنة والتأثيرات: أصوات تتجاور ولا تتطابق

حين نقرأ زكريا شيخ أحمد، نشعر أننا نعبر ممرات عبرتها أصوات أخرى، لكننا لا نقف في ظل أحد.

مع “أنسي الحاج” يلتقي في ارتباك اليقين، في الجملة التي لا تسير مستقيمة بل تمشي على حافة الحلم. كلاهما يكتب ليكسر منطق العبارة التقليدية، حيث تتحول اللغة إلى مساحة كشف لا تقرير. غير أن أنسي يترك الجملة تنفجر في كثافة رمزية عالية، بينما يميل زكريا إلى صفاء أكثر هدوءاً، إلى عبارة تبدو بسيطة لكنها مشبعة بقلق داخلي عميق.

و مع “محمد الماغوط” يتقاطع في السخرية التي تبتسم بحزن. اللغة اليومية عندهما موقف لا اختياراً شكليا. كلمة عادية قد تفتح شقاً في جدار العالم. لكن الماغوط يوجّه سخريته إلى المدينة والسلطة والخراب العام، بينما يوجّهها زكريا إلى هشاشة الفرد ومأزقه الداخلي؛ عدوه ليس السلطة وحدها، بل المصير نفسه.

أما “تشارلز بوكوفسكي” فيحضر من زاوية التفاصيل الصغيرة: السيجارة، المفتاح، الأشياء المهملة. كلاهما يعرف أن الشعر يسكن الهامش. غير أن بوكوفسكي يكتب بخشونة تصالح مع قسوة العالم، بينما يكتب زكريا بهدوء سوداوي، كمن يزيل شوكة من روحه ليتمكن من الاستمرار.

هكذا تبدو تجربته: تشبههم بقدر ما تشبه نفسها، وتختلف عنهم بقدر ما تحتفظ بسرّها الخاص.

خاتمة

زكريا شيخ أحمد ليس شاعر منبر ولا شاعر مكتبة مغلقة. إنه شاعر يمشي بيننا، يلتقط من الحياة ما لا ننتبه إليه، ثم يعيده إلينا مرتبًا بطريقة تجبرنا على إعادة النظر في كل شيء.

هو شاعر الكلمات المتداولة، لكنها عنده تعيد ترتيب الواقع.
مرآته صافية، نعم، لكن خلفها دائماً لغم خفي.

وفي زمن يزداد فيه الضجيج، يثبت أن الشعر لا يحتاج إلى صراخ كي يُسمع… بل إلى قلب يعرف كيف يصغي إلى نفسه أولاً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى