
قصَّة للأطفال
تجمَّعَ الأولادُ قبل موعد الأذان حولَ المدفأةِ ينعمون بالدفء؛ وأمُّهم داخل المطبخ تجتهدُ في إعداد أصناف كثيرةٍ من الطعام.
كانوا من الداخل يسمعون صوت انهمار المطر ورعد البرق الذي يُومضُ من خلال النافذة، وبين أقدامهم كانت القطَّةُ السَّمينةُ تجلسُ على ذيلها الأبيض الناعم تراقب بعيْنَيْهَا السوداوتين اللتين تومضان وميض البرق أكفَّ الأولاد وهم يداعبونها بأصابعهم الصغيرة.
فجأةً سمعوا صوت الجرس يرنُّ فتراكضوا من مكانهم يدفعهم الفضول لمعرفة الطارق فإذا به والدهم عاد من العمل وهو يحمل لهم الفاكهة وبعض الحلويات التي جعلت لعابهم يسيل ونفوسهم تتوقُ لتناول قطعةٍ منها؛ لكنَّ الصيام منعهم من فعل ذلك فعادوا أدراجهم وجلسوا أماكنهم.
دخل الأب فسحة الدار، واتَّجه نحو المطبخ فرأى زوجته تُجهِّز الطعام.. ألقى عليها التحيَّة وأعطاها زجاجة الدواء لجارتهم المريضة، ثم ذهب إلى الغرفه فغيَّر ملابسه وعاد من جديد إلى زوجته يساعدها قدر الإمكان، والأولاد في الداخل يحلمون بالطعام وقد شعر كلٌّ منهم بتقلُّصات معدته الفارغة وسمعوا ما صدر عنها من أصوات.
حاول البعض أن يشغلوا أنفسهم بكتابة الوظائف وحفظ الدروس، فيما ذهب البعض الآخر إلى والدتهم لتقديم المعونة لها علَّهم يقتلون وحشة الوقت الطويل الذي غدا فيه سيره كسلحفاةٍ بطيئة.
اشتمَّتِ القطَّةُ رائحةَ الطعامِ فركضت باتجاهه لتجدَ الوعاء مليئاً بالعظام فأخذت تأكل بشرهٍ، بينما كان الجميع ينظرون إليها بحسدٍ، ثمَّ نادتِ الأمُّ لابنها “كرم” قائلةً:
-سكبْتُ بعض الطعام إلى جارتنا أمِّ أحمد المريضة.. أعطِ هذا لها مع زجاجة الدواء واسألها إن كانت تحتاج شيئاً، ثمَّ عُدْ بسرعة!.
فعل “كرم” ما طلبته والدته فشعر براحة داخليَّة لمساعدة العجوز الوحيدة، وفرح لانقضاء زمنٍ من الوقت دون انتظار.. بعد أن كان يمرُّ بتثاقلٍ كخطوات عجوزٍ كهل.
عندما اقترب موعد الأذان تحلَّق الجميع حول المائدة العامرة بأنواع كثيرة من الطعام الشهي حتى لم يبقَ مكانٌ للماء، بينما تصاعد البخار من الأوعية الساخنة التي أُنزلت للتوِّ من فوق النار.. وما إن سمعوا الأذان حتى بدأوا في أكلهم كالنَّهم الحيران، إلى أن أحسُّوا بالتُّخمة وغدت معداتهم ثقيلة كالهمِّ العظيم، فتمدَّدوا على الفراش يتوجَّعون ويتألَّمون ويصرخون، والأمُّ حائرة لا تعرف ماذا تفعل فيما كان قلبها يتقطَّع على فلذات أكبادها المساكين إلى أن أشار الأبُ إليها أن تأتي لهم بشرابٍ ساخنٍ يُسَكِّنُ أوجاعهم ويُعلِّمهم درساً لن ينسوه كلَّ أيام السنين.
شرب الأولاد بما أتت به الأمُّ الحنون، وبعد مرور وقت شعروا بالارتياح واستعادوا ما فقدوه من صحَّة وعافية، ثم استسلموا لنومٍ عميق بجانب قطَّتهم السمينة “لؤلؤة”، تاركين الحلوى اللذيذة والفاكهة الناضجة في ركن الغرفة وهم يعرفون ما سيحصل لهم لو أعادوا الكرَّة مرَّة ثانية.
بقلم الكاتبة: نجاح الدروبي