فيس وتويتر

حسام السيسي يكتب :مصر بين الضجيج والواقع: قراءة في انكشاف الدور وضيق الخيارات

يعوم الفضاء العام في مصر اليوم بين تناقضات حادة، تتأرجح بين تيارات تُحمّل إيران كل أوزار المنطقة، وأخرى تراها رأس حربة في مواجهة الهيمنة، بينما تقف الدولة في المنتصف تُحاول ضبط الإيقاع داخلياً وتعد العدة لقرارات اقتصادية صعبة في لحظة إقليمية ملتهبة.
هنا يصبح السؤال أبعد من ثنائية “مع أو ضد”، ليتحول إلى بحث عن موقع مصر الفعلي في المعادلة الجيوسياسية، وهل تملك القاهرة رفاهية التموضع الاستراتيجي أم أنها تتحرك داخل هامش ضيق تفرضه الضرورات الاقتصادية؟
فالحقيقة أن مصر ليست دولة هامشية جغرافياً، وموقعها على قناة السويس يمنحها قيمة دائمة، لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع نفوذاً إذا لم يسندها اقتصاد متين، حيث تجعل الديون والضغوط التمويلية أي اهتزاز إقليمي—من البحر الأحمر إلى الخليج—ينعكس سريعاً على الداخل، مما يجعل الاستقرار الخارجي ضرورة للتنفس مالياً، والانضباط المالي ضرورة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي؛ وهي معادلة ضاغطة لا تحتمل المغامرات.
وفي ظل هذا المشهد، يتأرجح الخطاب العام بين شيطنة طهران وتفهم دوافعها، بينما تحافظ الدولة عملياً على قنوات تواصل غير صدامية مع الجميع دون انخراط في محور، وهو توازن قد يبدو حكيماً لتجنب الصدام، لكنه يواجه خطر التحول إلى سياسة دفاعية إذا لم يُترجم إلى مبادرات حقيقية في هندسة التسويات، فبدون ذلك يتحول “الحياد النسبي” إلى انتظار طويل على مقاعد المتفرجين.
هذا الانتظار يتزامن مع ما يصفه البعض بـ “الهشاشة”، والأدق هو “الإرهاق الاجتماعي”؛ فسنوات الضغوط المعيشية أضعفت قابلية الناس لتحمل صدمات جديدة، مما يجعل أي قرار مالي في لحظة ساخنة اختباراً لثقةٍ متآكلة تحتاج إلى سردية شفافة وتوزيع عادل للأعباء.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نقص المعلومات، بل في غياب إطار استراتيجي مُعلن يجيب عن أسئلة السقف المقبول للانخراط وكيفية حماية المصالح الحيوية دون استنزاف، فالغياب عن صياغة المبادرات يترك الساحة لقوى أخرى لتحديد الإيقاع.
في اعتقادي، لا يمكن فصل الجيوسياسة عن سعر الصرف أو فاتورة الواردات، والنفوذ يبدأ من القدرة على الصمود الداخلي، ومن دون صمود اقتصادي يصبح الصوت الخارجي أقل تأثيراً مهما علت نبرته.
أنا لا أرى مصر في حالة أفول حتمي، لكني أراها في لحظة انكشاف صريح لحدود القوة؛ حيث تمنحنا الجغرافيا موقعاً ويحدد لنا الاقتصاد وزناً، والرهان الحقيقي ليس في الاصطفاف، بل في بناء قدرة داخلية تسمح لنا بالاختيار، فدون ذلك سنظل نقرأ المشهد من الخارج بينما تُعاد صياغة المنطقة من حولنا، والوقت الآن ليس للانفعال، بل لإعادة تعريف المصلحة وترتيب الأولويات قبل أن تُرتّبها عنا الأحداث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى