رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : اليوم الثالث لحرب يوم القيامة اصحاب الرايات يتحكمون بزمن الحرب ومساراتها .. حرب شاملة.. الإقتصاد العالمي يتمخض ..!!!

اليوم الثالث لحرب القيامة أصحاب الرايات يتحكمون بزمن الحرب ومساراتها …حرب شاملة…الاقتصاد العالمي يتمخض ..!!!

ميخائيل عوض / لبنان

تشكل الحروب الكبرى لحظات كاشفة في تاريخ الأمم، إذ لا تقتصر آثارها على الميدان العسكري، بل تمتد لتطال البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وفي هذا السياق، تبرز الحرب الراهنة بوصفها صراعًا يتجاوز الاشتباك التقليدي بين أطراف متحاربة، ليغدو مواجهة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الوجودية مع الحسابات الجيوسياسية، ويتقاطع فيها المحلي بالإقليمي والدولي في آن واحد.
في تقييمه لمجريات التطورات في  اليوم الثالث من هذه الحرب يظهر  انتقال الصراع من مرحلة “الصدمة الأولى” إلى مرحلة اختبار التوازنات الاستراتيجية. فبعد استنفاد جزء كبير من الأهداف العسكرية المعلنة عند المعتدي، برزت مؤشرات على تحول نمط العمليات نحو الضغط على الحاضنة المدنية، ومحاولة إعادة تشكيل ميزان الردع عبر استهداف البنية الاجتماعية والنفسية للخصم. غير أن هذا التحول لم يؤدِّ بالضرورة إلى انهيار الطرف المدافع، بل أظهر قدرة على التكيّف وإعادة التموضع، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة القوة الفاعلة في الحروب المعاصرة. هل هي التفوق الناري وحده، أم القدرة على الصمود الاستراتيجي طويل الأمد؟
إن مسارات الحرب من خلال أربعة مستويات مترابطة: المستوى الإنساني بوصفه كاشفًا لحدود الشرعية، والمستوى العسكري بوصفه محددًا لميزان الردع، والمستوى الاقتصادي بوصفه ساحة ضغط موازية، والمستوى الجيوسياسي بوصفه إطارًا أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي. ومن خلال هذا التفكيك التحليلي، يمكن مقاربة الحرب بوصفها لحظة إعادة تأسيس محتملة لتوازنات جديدة، لا مجرد جولة عابرة في سياق صراعات ممتدة.

*أولا”: تأزيم البشر… حرب بكلفة مهولة*
إن الحرب الراهنة بوصفها حرب يوم القيامة تمثل مرحلة استثنائية في تاريخ المنطقة، إذ تمتد آثارها من السودان إلى إيران، وتشمل المدنيين بشكل مباشر، بما في ذلك الأطفال والنساء. في لبنان، شهدت الشوارع تجمعات بشرية هائلة محاصرة لساعات طويلة خلال شهر الصيام، في مشهد يعكس غياب الدولة والمؤسسات وغياب أي حماية فعالة للمدنيين. وفي إيران جريمة قتل بشعة بحق طالبات في مدرسة ابتدائية.
ولأن كل  حرب لا تكون مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش، بل صراع شامل على الأرض والأثر الإنساني والمعنوي. فإن استهداف المدارس والمستشفيات والقرى أصبح جزءًا من استراتيجيات الحرب،  يعكس التوحش الذي يميز إدارة الصراعات في هذه المرحلة التاريخية. ولكن يثبت التاريخ دائما أن النتائج تكون بقدر الأكلاف وهذه الحرب  ستكون أكثر كلفة من أي حرب شهدتها الإنسانية إلا أنها ستأتي بنتائج تكافئ هذه التضحيات التي بدأت منذ عامين ونصف في مشهد إبادة مريع لشعب غزة،إذا ما تم الثبات على الأهداف العليا والغايات السامية.

*ثانيًا: في القراءة الميدانية المعتدي استنفذ بنك أهدافه:*
في اليوم الثالث وعلى مستوى التوازن العسكري فهو بات مختلا” بوضوح لصالح أصحاب الرايات ويمكن قراءة المشهد وفق المعطيات التالية:
*استنفاد الأهداف العسكرية* المعتدون استنفذوا ما يسمى “بنك أهدافهم”، واستبدلوا الضربات العسكرية ب استهداف الأحياء والمدن لإرهاب المدنيين. في الوقت الذي تستهدف النيران الإيرانية مراكز ثقل نوعية عسكرية ولوجستية وتتوسع دائرة النار في الأهداف المجدية، ما يشير بحسب المعطيات الميدانية إلى اختلال التوازن العسكري لصالح المدافعين.
كما أن قدرة المدافعين على تعويض الخسائر وصناعة بدائل استراتيجية، جعلت الحرب أكثر تعقيدًا.

*دور إيران والخبرة العسكرية السابقة:*
إن إيران استعدت على مدى 47 سنة، درست خطط العدو واستراتيجياته واختبرت بيئة الحرب معه على مدى عشرات السنوات وفي مناطق إقليمية متغيرة، واختبرت قدراتها الدفاعية والهجومية، ما أعطاها القدرة على تحمل الضربات، إعادة التموضع، وحماية قدراتها الصاروخية والميدانية.

*العقيدة والولاء عند المقاتل الإيراني* هذا عامل خارج حسابات الخوارزمية العسكرية الرقمية وإذا كانت حروب اليوم تبنى بقراءة رقمية لجغرافيا الحرب فإن الولائية والعقيدة غير قابلة للقياس أو التنبؤ. الميزة الأساسية للمدافعين كانت حفظ الكيان واستمرار القدرة على التصنيع والتعويض، بينما المعتدون وصلوا إلى مرحلة نفاد الأهداف الفعلية والاعتماد على التخويف والمعنويات.

*ثالثًا: مضيق هرمز القنبلة النووية الاقتصادية*
  إن الحرب لازالت في أيامها الثلاث الأولى إلا أن الكارثة الاقتصادية باتت مؤشراتها واضحة وضاغطة عالميا”، إن جرأة الإيراني في إتخاذ قرار إغلاق مضيق هرمز وبشكل كلي هو إجراء خارج حسابات الخصم بل والعالم كله، هذه الخطوة التي شكلت صدمة اقتصادية عالمية نستطيع وصفها بالقنبلة النووية وجاءت قاصمة لميزان قوى المعتدي وخططه أدت في يوم واحد إلى:
– تعطيل الاقتصاد الخليجي والشركات الأمريكية والأوروبية.
– ارتفاع أسعار الشحن والتأمين بنسبة 100%، وارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 50%.
– تأثير كبير على المعادن الثمينة والأصول الاستراتيجية.
إن هذه مجرد مؤشرات البداية أم التأثير في الأيام والأسابيع القادمة سيكون خارج قدرة العالم كله على تحمل كلفة هذا الإغلاق.

*رابعًا: من يتحكم بالأمواج يحكم العالم… حرب البحار من مضيق هرمز إلى باب المندب*

فإن  أحد أخطر مسارات الحرب هي  حرب البحار والتي سيطر عليها بإحكام مطبق ..  الحوثي طوال فترة الإسناد لغزة، ولأن من يتحكم بالأمواج يحكم العالم  إن خطوة إغلاق مضيق هرمز وما سيتبعها من مفاجأة اليمن الذي ينتطر دوره هو واسطة العقد وسر الحسم  فهو العامل الحاسم والقوة المغيرة في الموازين. فإن هذا يعني أن الغرب الأنغلوسكسوني بكل حلفائه وشركاته وشراكاته خارج البحار. وهذه ستكون القوة الكاسرة في المرحلة المقبلة.

*خامسًا: في اليوم الثالث أصحاب الرايات يتحكمون بزمن الحرب ومساراتها*
نحن نرى  أن الإمريكي والإسرائيلي استنفذ بنك أهدافه، وفشل مرة أخرى في قراءة مؤشرات الفشل والهزيمة التي تكررت وتراكمت على الأقل منذ حرب ال12 يوم التي قال في نهايتها ترامب أنقذت إسرائيل من أن تدمرها إيران، إلى فشل الاستثمار في احتجاجات البازار الكبير مطلع العام، إلى الفشل في إسقاط النظام أو هزيمة الأمة والجيش بعد استهداف رأس الهرم القيادي في الضربة الأخيرة. والفشل في قراءة قوة الحوثي في السيطرة البحرية وعدم توقع مخاطر أن تقوم القوات الايرانية بحصار البحار، واستهداف الشركات والأصول الأمريكية  إن كل هذا الفشل في تقدير المخاطر ومع إصرار أصحاب الرايات على المضي حتى النهاية ومهما كانت الأكلاف وبدخول جبهات دعم ومساندة وإحالة إدارة الحرب وتوسيع نطاق الاستهداف وإعلان وقت النهاية
جميع هذه الأوراق وغيرها باتت مجتمعة في يد أصحاب الرايات فهم من يتحكمون بزمن الحرب ومساراتها في الوقت الذي بات واضحا” أن جميع الضربات ساحقة للوجود الأمريكي في المنطقة.

*سادسًا: عالم جديد ببصمات عربية-إسلامية- آسيوية*
إن شكل العالم القادم بعد مخاض دموي عسير استمر لزمن طويل جدا، هو عالم يولد على يد قابلة الآلام والحروب والتضحيات التي عاشتها أمتنا في المنطقة والإقليم، فمنذ مئة عام تقريبا لم تجري الحروب إلا في منطقتنا ولم يكن أحد يتصدى لمشروع الهيمنة الليبرالية المتوحشة بكل وجهها إلا المقاومات في أمتنا. هذه الحرب ليست مجرد أحداث آنية، بل مرحلة تاريخية مفصلية لزمن انتهى وآخر يولد.

تؤكد المعطيات المتوافرة في هذه المرحلة المبكرة من الصراع أن الحرب الراهنة تتجاوز كونها عملية عسكرية محدودة الأهداف، لتغدو مواجهة ذات طابع وجودي تمس بنية النظام الإقليمي وموقعه في النظام الدولي. فاستنفاذ الأهداف العسكرية التقليدية لدى أحد الأطراف، مقابل قدرة الطرف الآخر على امتصاص الضربة الأولى وإعادة تنظيم قدراته،  إن ميزان القوة لا يُقاس فقط بحجم التفوق التقني، بل بمدى الاستعداد البنيوي، وعمق التحضير التاريخي، ومرونة البنية السياسية والاجتماعية.
كما أن الارتدادات الاقتصادية للحرب خاصة مع إغلاق الممرات المائية — من اضطراب سلاسل الإمداد إلى تقلبات أسواق الطاقة والمال — تكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية، وتدل على أن الصراع الإقليمي قادر على إحداث تأثيرات عابرة للحدود تتجاوز نطاقه الجغرافي المباشر. وبذلك، تتحول الحرب إلى عامل ضغط لإعادة النظر في معادلات الأمن العالمي التي عبثت بها حكومة الشركات والاقتصاد الليبرالي المتوحش لعقود متتالية.
على المستوى المفاهيمي، تبرز الحرب كاختبار لجدلية “القوة والإرادة”: فحين تتراجع فاعلية الرهان على التفكك الداخلي أو الانهيار السريع، يصبح الصمود عنصرًا استراتيجيًا بحد ذاته، وتغدو القدرة على حفظ الكيان واستمرار الفعل عاملاً حاسمًا في تحديد النتائج. ومن هنا، فإن مآلات الصراع لن تُحسم فقط في ميادين القتال، بل في مدى قدرة الأطراف على إدارة الزمن، وتحمل الكلفة، وتحويل التضحيات إلى رصيد سياسي واستراتيجي .

🖋 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى