فيس وتويتر

حسام السيسي يكتب:إيران بعد العاصفة: حين تكشف الحرب الفارق بين دولة المؤسسات ودولة الرجل الواحد

تتكفل الحروب دائماً بكشف ما تسترُه سنوات الاستقرار الظاهري، فالدول لا تُقاس قوتها بوفرة الصواريخ بقدر قدرتها على الاستمرار بعد الصدمة؛ وهنا يبرز الاختبار الإيراني الأخير ليفتح باباً للنقاش حول الفارق الجوهري بين “دولة المؤسسات” و”دولة الرجل الواحد”.
فبينما اختزلت التحليلات المشهد في شخص المرشد، يكشف الواقع البنيوي في طهران عن شبكة مؤسسات معقدة ومتداخلة صُممت لتوزيع مراكز القوة ومنع احتكارها، حيث يتجاور المرشد مع الرئاسة والبرلمان ومجالس تشخيص المصلحة والدستور، وصولاً إلى الازدواجية العسكرية بين الجيش والحرس الثوري؛ وهي بنية تخلق توازناً داخلياً يجعل الدولة أقل هشاشة أمام العواصف الكبرى.
إن التاريخ القريب في المنطقة يقدم دروساً قاسية؛ ففي العراق 2003 وليبيا 2011، لم تسقط الأنظمة فحسب، بل انهارت الدول في أيام معدودة لأنها كانت “دولاً شخصية” اختُزلت في فرد، فبمجرد غيابه اكتشف العالم أنها كانت “سلطة” ولم تكن “دولة”.
وهذه هي المعضلة التي ما زالت تواجه أجزاء واسعة من العالم العربي، حيث تعمل الأنظمة وفق منطق المركزية الضيقة والمؤسسات الشكلية، مما يحول الكيانات التي تبدو صلبة لعدة عقود إلى هياكل هشة تنهار عند أول منعطف غياب للقائد.
إن قدرة الجمهورية الإسلامية على امتصاص الضربات وعقود العقوبات تنبع من “عمق الدولة” الذي أنتج طبقات متعددة من النخب الإدارية والعسكرية والدينية، مما جعلها بنية تتجاوز مفهوم “نظام الحكم” اللحظي.
والدرس هنا يتجاوز طهران ليشمل الإقليم بأسره؛ ففي عالم يزداد اضطراباً، لن يكون السؤال الحاسم هو من يملك السلاح الأكثر تطوراً، بل: هل نملك دولة حقيقية أم مجرد سلطة؟
فالدول التي تُبنى على المؤسسات قد تتعثر وتُجرح لكنها تنهض، أما تلك التي تُختصر في رجل واحد، فقد تبدو قوية لسنوات طويلة، لكنها تسقط للأبد في لحظة واحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى