
كان “اِبراهيم” يدور في دوامة اليأس، ويغرق كل يوم أكثر وأكثر، شبح الفقر قرينه الذي لايفارقه، رغم جهوده في الخلاص منه، ولكن كيف الخلاص وخمسة أفواه وأمهم ولامصدر للعيش إلا عمله، واليوم قد فرم إصبعه، إثر شروده وهو يطحن اللحمة لإعداد الكفتة للزبائن في المطعم الذي يسرق عمره منذ سنوات بصمت، دون أن يُحقِّق له ولو بعض الاكتفاء.
في غفلة منه، سحبت الآلة إصبعه وسحقتها، أحسَّ أن قلبه توقَّف من صدمة الألم، التي أطلقها صيحة آهٍ، أرعبت العاملين وكذلك الزبائن، الذين استنفروا
لإسعافه إلى المشفى، حيث قُطِّبَ جرحه، ثم أوصلوه إلى بيته تُشيِّعه نظراتٌ من الحزن والشفقة من أولاده وزوجته، التي تركت جرح روحه ينزف بصمت.
إنَّه يدرك وجعها وهواجسها دون حاجة للإفصاح، فمن غيره يعرف البئر وغطاه كما يقول المثل.
لم يمضِ شهرٌ على موت بقرته التي كانت مصدر رزق متوازن، توفِّر عليه شراء منتجات الألبان كلها، وهي ليست بالقليلة ولا الرخيصة، وتقوم بتلبية احتياجات البيت والأولاد، حيث أصابها مرض وماتت بعد شهور من استنزافه بالمعالجة التي لم تجد نفعاً.
دخل غرفته وطلب ألا يزعجه أحد، سينام إذا استطاع إلى النوم سبيلاً، فهو منهك من التفكير والألم.
برد الليل حرَّك الألم أكثر فابتلع مسكناً وغفل لايدري كم من الوقت، لكنه استفاق على أصوات قوقأة آتية من الحظيرة والتي نقل إليها دجاجتين مع فراخهما، بعد نفوق البقرة، وكانتا نواة مشروعه للاكتفاء الذاتي من البيض واللحم الأبيض، ظن نفسه في حلم ولكن زوجته أفاقت كذلك وأخافتها الأصوات.
نظرت إلى الساعة إنَّها الثالثة صباحاً، ولاكهرباء في البيت، والحظيرة تبعد نحو مائة متر عن البيت، لن تخاطر بزوجها المريض من أجل دجاجتين وبعض الفراخ، فلم تسمح له بالخروج وحده، ربما كان ذئباً أو ضبعاً أو أيّ مفترس آخر.
مرَّ الوقت بطيئاً، مسموماً، العجز بشعٌ، والأصوات المستنجدة، تنقر الرأس.
نصف ساعة بطول يوم، بطول دهر مرَّت، خرست الأصوات وعاد السكون إلا من صوت حبَّات المطر التي تنقر على النافذة وتهسُّ على أوراق الشجر، كمخدِّر للأعصاب التي تلفت، فانكفأت ونامت.
عندما أشرق الصباح بنوره، تفقدا الحظيرة وانجلت المعركة التي كانت حامية الوطيس، وكانت الخسائر جليَّة، لا أحياء أبداً، أشلاء ممزقة متفرِّقة في أرض الغرفة وأخرى معلَّقة على الشباك تشي بمحاولات فرار فاشلة.
الباب مغلق تُرى من أين دخل وكيف خرج؟
بعد تدقيق وتمحيص تبيَّن أنَّ هناك فجوة في الأرض وبها أشلاء أيضاً.
لجأ إبراهيم لتسميم الأشلاء وانتظر الغد، وكانت المفاجئة أنَّ المفترس كان بارعاً في التخطيط للهجوم وأخذ الصيد الثمين على حين غرَّة، وما كان هذا إلا مجموعة كبيرة من الجرذان، هاجمت الفراخ في ليلٍ داهمٍ، وفتكت بهم.
ضرب على رأسه وقال: “ثلاثة مصائب في شهر واحدٍ ماذا بعد يا الله؟!”.
بقلم: فريزة محمد سلمان – سوريا