
من المفارقات اللافتة في المشهد الحالي أن قطر، وهي تتلقى ضربات في سياق الحرب الدائرة مع إيران، تبدو وكأنها تتعرض في الوقت نفسه لضغط آخر… من جناحها الإعلامي والبحثي نفسه.
خلال العقدين الماضيين بنت الدوحة شبكة إعلامية وفكرية واسعة بالعربية والإنجليزية. فبعد شبكة “الجزيرة”، استثمرت في مؤسسات ومنابر عديدة مثل “العربي الجديد” و”القدس العربي”، كما مولت “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”، واستقطبت صحفيين ومنصات غربية مؤثرة، أبرزها موقع Middle East Eye الذي يديره الصحفي البريطاني ديفيد هيرست.
كما دعمت منظمة DAWN التي قادتها المحامية الأميركية سارة واتسن، والتي لعبت دورًا بارزًا في تسليط الضوء على قضية مقتل جمال خاشقجي واستثمارها في الضغط على السعودية داخل الرأي العام الغربي. وبعد المصالحة الخليجية، تحول جزء من هذا النشاط باتجاه انتقاد الإمارات.
لكن المفارقة تظهر اليوم بوضوح: كثير من هذه المنابر التي أنشأتها قطر أو دعمتها مالياً تتبنى خطابًا أقرب إلى الرواية الإيرانية في الحرب الجارية، حتى في اللحظات التي تتعرض فيها منشآت قطر نفسها للضربات.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل ما نشهده مجرد اختلاف في التقدير الإعلامي، أم أن الأدوات التي تمت صناعتها لتكون أذرعًا للسياسة القطرية اكتسبت قوة تجعلها قادرة على مراوغة الممول نفسه؟
لفهم هذه الظاهرة لا بد من التوقف عند الدور الذي لعبه المفكر عزمي بشارة في بناء هذه الإمبراطورية الإعلامية والبحثية. فالرجل يعتبر في نظر كثيرين المهندس الفكري للمشروع الإعلامي القطري، وصاحب التأثير الكبير في رسم خطوطه الفكرية والسياسية.
غالبًا ما توصف علاقة عزمي بشارة بالأمير تميم بن حمد بعلاقة تجمع بين الحاكم والمفكر، تشبه، ولو من بعيد، العلاقة التي ربطت بين أرسطو وتلميذه الإسكندر الأكبر. المقارنة بطبيعة الحال ليست حرفية، لكن الفكرة واحدة: حاكم شاب يستعين بمفكر لتشكيل رؤيته للعالم.
لكن التاريخ يعلمنا أن مثل هذه العلاقات قد تحمل في داخلها بذور التوتر. فالعلاقة بين أرسطو والإسكندر، رغم عمقها الفكري، انتهت في سنواتها الأخيرة بالجفاء والخصومة، خصوصًا بعد أن دخلت السياسة في حسابات السلطة.
اليوم، تبدو الإمبراطورية الإعلامية التي نشأت في الدوحة، “الجزيرة”، “العربي الجديد”، Middle East Eye، DAWN، ومنابر أخرى، ككيان ضخم له منطقه الخاص، وروايته الخاصة، وأحيانًا أجندته الخاصة. ومع مرور الوقت، قد تصبح الأداة أقوى من صانعها.
هذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ. كثير من المشاريع الكبرى تبدأ كأدوات في يد أصحابها، ثم تتحول إلى كيانات مستقلة يصعب ضبطها. من أسطورة فرانكنشتاين إلى أمثلة أكثر واقعية في السياسة والتكنولوجيا والتنظيمات المسلحة، كثيرًا ما تتمرد الأداة على صانعها.
قد يكون تفسير ذلك أن عزمي بشارة ومن حوله ينظرون إلى الحرب الحالية باعتبارها حدثًا عابرًا في مسار طويل، بينما المشروع الإعلامي والفكري الذي صاغوه مشروع طويل الأمد، لا يريد أن يحيّد بوصلته الاستراتيجية بسبب تطورات ظرفية.
وقد يكون السبب أيضًا أن قطر جمعت في مؤسساتها الإعلامية عددًا كبيرًا من النشطاء والإعلاميين المنتمين إلى تيارات أيديولوجية قوية، خصوصًا في الفضاء الإخواني والحمساوي، وهي تيارات تمتلك خبرة طويلة في العمل الإعلامي والسياسي وقدرة عالية على فرض خطابها.
في النهاية، يبدو أن طموحات المشروعين، مشروع الأمير تميم السياسي، ومشروع عزمي بشارة الفكري والإعلامي، أكبر من قدرة كل منهما على التحكم الكامل في مسارهما.
يريد تميم لقطر أن تلعب دورًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، وأن تؤثر في توازنات المنطقة. ويريد بشارة إعادة تشكيل المشهد الفكري والإعلامي العربي وفق رؤية أيديولوجية طويلة المدى.
لكن التاريخ مليء بقصص الطموحات الكبيرة التي اصطدمت بحدود الواقع. وأحيانًا لا تكون المشكلة في حجم المشروع فقط، بل في قدرة أصحابه على ضبط الأدوات التي صنعوها لتحقيقه.
وفي لحظات الأزمات الكبرى، مثل الحرب الجارية اليوم، تظهر هذه التناقضات إلى السطح بوضوح أكبر من أي وقت مضى.