رؤي ومقالات

حمدي عبد العزيز يكتب :أقطاب كرتونية؟ (٢)

روسيا تسلمت بالأمس مكافأة إبقاء خطابها السياسى تحت سقف الكلمات الدبلوماسية التقليدية التى تنحصر فى (الشعور بالقلق) والدعوة (لعدم التصعيد) و(أن الحرب مخالفة لقواعد القانون الدولى) إلى آخره من المواقف التى لا تتخطى بأى حال من الأحوال مجرد تسجيل موقف، والتى تعنى الحرص على عدم إنتاج خطاب غاضب يوتر أجواء العلاقات مع ترامب الذى استطاع تسويق وهم أنه سينهى الحرب الأوكرانية بالطريقة التى ترضى الروس.
المكافأة تمثلت فى إعطاء الولايات المتحدة الأمريكية ترخيصًا استثنائيًا للهند بتوسيع حصة استيرادها للغاز الروسى تعويضًا عن توقف إمدادات الطاقة من دول الخليج العربى نتيجة الإغلاق (العملى) لمضيق هرمز.
وهذا يعنى أن روسيا ستكسب مرتين من جراء هذه المكافأة:
المرة الأولى تعظيم أرباح مبيعات الغاز الروسى نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة العالمية عقب اندلاع عدوان التحالف الغربى على إيران.
والمكسب الثانى هو رفع مستوى ضخ الغاز الروسى فى الأسواق الهندية والصينية نتيجة تعطل سوق الطاقة الخليجية وتراجع حصة الصين والهند من النفط الخليجى والإيرانى والفنزويلى ، مما يجعل تعويض إمدادات الطاقة لاثنتين من أهم أسواق استيرادها فى العالم وهما الصين والهند لا يتأتى إلا عبر توسيع كميات واردتهما من الغاز الروسى .
وهكذا فقد رفعت أمريكا سيف عقوباتها عن اسواق الهند (رهانها الحيوى فى عملية إعطاب النمو الصينى وقتل مبادرة الطريق الحزام الصينية) حال استيرادها الغاز الروسى (لمدة ثلاثين يومًا قابلة للمد بالطبع).
بالطبع نعرف أن العالم لم تعد تديره الأخلاق السياسية ولا المبادئ ولا الإيديولوجيات النبيلة ، ونعرف أن هناك إيديولوجية واحدة تهيمن على المواقف الدولية الآن ، وهى الإيديولوجية الرأسمالية وان العالم فى النهاية يدار بالبرجماتية السياسية القائمة على المصالح المباشرة للدول وطبقاتها الحاكمة .
، لكن روسيا ربما قد تنظر تحت قدميها فقط هذه المرة وهى تتلقف تلك المكاسب الوقتية المتمثلة فى ارتفاع عائدات تصدير الطاقة ووهم إمكانية تحييد أمريكا عن الحرب الأوكرانية مع وعد بإنهاء الحرب بطريقة تحقق الأهداف الروسية طبقاً لوعود قمة آلاسكا الروسية الأمريكية ، وفى مقابل ذلك وقفت روسيا مواقف أقرب إلى الصمت منها إلى المواجهة للعدوان الأمريكى على فنزويلا ثم العدوان الغربى على إيران .
لكننا لسنا فى حاجة إلى تذكير روسيا بأن مايحدث تجاه إيران الآن ربما يكون هو النقلة الأخطر على روسيا فى رقعة الشطرنج العالمى ، فهى إيران تطل على بحر قزوين التى من الجنوب ، فى حين تطل عليه روسيا من الشمال ، وإيران كذلك التى تعد أهم بوابات روسيا على منطقة الشرق الأوسط ومن ثم فالمياه الدافئة ، وكل ذلك يعظم من خطورة التأثيرات السلبية على الأمن القومى الروسى (واذا ما اخذنا تداخل روسيا فى محيطها الآسيوى) وذلك إذا ما انهارت الدولة الإيرانية بفعل العدوان الأمريكى/الإسرائيلى/الأوروبى عليها
لايمكن أن تستهين كل من روسيا والصين بعملية تدمير إيران التى تقف على الكتلة الجغرافية الوازنة فى العالم الأوراسى الذى تنتمى له روسيا ، وتطمحان هى والصين فى أن تكون الأوراسية هى المجال الحيوى الاستراتيجى الذى تستطيع انطلاقًا منه اكتساب عوامل القوة والنفوذ للتخلص من ضغوط العالم الغربى ، بل وكسر هيمنته على الكرة الأرضية ، والتعامل مع المركز الرأسمالى العالمى بندية سواء فى إطار الشراكة أو فى إطار المنافسة والصراع على النفوذ ، وباعتبار أن الأوراسية هى أيضاً سبيلهما الوحيد لتشكل عالم جديد لاتنفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقطبيته وينفرد تحالفها الغربى باستمرار الهيمنة على مجالاته .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى