كتاب وشعراء

قراءة في نص زكريا شيخ أحمد “يوم كامل” بقلم : شيماء محمد شاهين

يا روعة ما كتبت صديقي العزيز، ويا روعة دهشتنا في هذا النص الذي يصف يومًا كاملاً من التيه والبحث عن الذات…

منذ البداية حين قلت: “رأسي مزدحم بأشياء لا أسماء لها”، وضعتنا أمام صورة داخلية للفوضى الذهنية التي لا يمكن الإمساك بها أو تعريفها. هذه ليست أفكارًا يمكن ترتيبها، بل هي تيار داخلي يمشي في الدم، يربك الجسد والروح معًا.

ثم وصفت حالتك: “أجلس ولا أستطيع الجلوس، أنهض ولا أصل”، وهذه الجملة تجسد التناقض الداخلي بين الرغبة في الفعل والعجز عن الإنجاز، بين الحركة والجمود، بين البداية التي لا تكتمل والنهاية التي لا تأتي.

انتقلت إلى صورة الهاتف الذي يلمع، لكن الصمت يلمع أكثر. هنا يظهر التناقض بين ضجيج العالم الخارجي الذي يحاول جذب انتباهك، وبين الصمت الداخلي الذي يفرض حضوره بقوة أكبر. أنت بينهما “شيء غير محسوم”، وهذه العبارة تلخص حالة التردد واللايقين.

ثم قلت: “لا أعرف ماذا أريد، لكنني متعب كما لو أنني فقدت شيئًا مهمًا”، وهذه الجملة تكشف عن شعور بالفقد الغامض، فقدان شيء لا يمكن تحديده لكنه يثقل الروح. البحث في اليوم يشبه تقليب الجيوب بعد سرقة قديمة، فلا تجد سوى نفسك، وهذا أسوأ لأن مواجهة الذات أصعب من مواجهة أي فقد خارجي.

بعدها أوضحت أن الكتابة تحتاج اتجاهًا، لكنك بلا اتجاه، وكأن أحدهم أطفأ شيئًا داخلك ونسي أن يخبرك. هذه الصورة مؤلمة جدًا، لأنها تجسد انقطاع الطاقة الداخلية، وانطفاء الشرارة التي تمنح المعنى.

ثم وصفت مرور الوقت: “الوقت يمر وأنا لا أمر معه”، وهذه العبارة تختصر الإحساس بالانفصال عن الزمن، وكأنك عالق في مكان لا يتحرك بينما العالم يمضي. أنت “معلق بين رغبة لا تولد وجمود لا يموت”، وهذه صورة دقيقة لحالة الشلل النفسي والذهني.

أوضحت أيضًا خوفك من الهدوء، لأنه سيجعلك تسمع الفراغ بوضوح، وأحيانًا تتمنى أن يصرخ الفراغ لتعرف أنه موجود. هذا التناقض بين الخوف من الصمت والرغبة في سماع صوت الفراغ يكشف عن عمق القلق الداخلي.

وفي النهاية قلت: “لا أعرف بماذا أنا مشغول، لكنني أعرف أنني لست مرتاحًا في جلدي، وهذا يكفي ليكون يومًا كاملاً.” هذه الخاتمة تلخص النص كله: يوم كامل من التيه، من البحث عن معنى، من مواجهة الذات، من الإحساس بالفراغ واللايقين.

الملخص الموجز
النص يصوّر يومًا كاملًا من الفوضى الداخلية، حيث الأفكار تتحول إلى تيار غير محسوم، والإنسان يعيش بين رغبة لا تولد وجمود لا يموت. إنه وصف دقيق لحالة الانفصال عن الزمن، والشعور بالفقد الغامض، والخوف من مواجهة الفراغ. النص يقدّم لوحة وجدانية عن القلق والتيه والبحث عن الذات وسط صمت داخلي يلمع أكثر من أي ضجيج خارجي.

شكرًا لك يا صديقي العزيز زكريا شيخ أحمد على هذا النص البديع، الذي جمع بين الصدق والعمق، وأضاء لنا معنى الفوضى الداخلية والبحث عن الذات بوضوح مؤلم لكنه صادق. دمت مبدعًا، ودام قلمك شاهدًا على دهشة الروح وتقلّباتها

النص

يوم كامل

رأسي مزدحمٌ بأشياء لا أسماء لها.

ليست أفكاراً ،
الأفكار يمكن الإمساك بها.
هذه فوضى تمشي في دمي.

أجلس
و لا أستطيع الجلوس.
أنهض و لا أصل.

كلُّ شيءٍ يبدأ
و لا يكتمل.

الهاتفُ يلمع.
الصمتُ يلمع أكثر
و أنا بينهما شيءٌ غير محسوم.

لا أعرف ماذا أريد،
لكنني متعبٌ
كما لو أنني فقدتُ شيئاً مهماً .

أبحث في يومي
كما يقلّب شخصٌ جيوبه
بعد سرقةٍ قديمة.

لا أجد سوى نفسي
و هذا أسوأ.

أقول: سأكتب.
لكن الكتابة تحتاج اتجاها ،
و أنا بلا اتجاه.

كأن أحدهم أطفأ شيئاً داخلي
و نسي أن يخبرني.

الوقت يمرُّ
و أنا لا أمرّ معه.
أبقى هنا …
معلقاً بين رغبةٍ لا تولد و جمودٍ لا يموت.

أحياناً أخاف أن أهدأ
لأن الهدوء
سيجعلني أسمع الفراغ بوضوح.

و أحياناً أتمنى أن يصرخ الفراغ
لأعرف على الأقل أنه موجود.

لا أعرف بماذا أنا مشغول.
لكنني أعرف
أنني لستُ مرتاحاً في جلدي.

و هذا…
يكفي ليكون يوماً كامل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى