
اشترى نظارةً سوداء ووضعها على عينيه.. لم تدرِ الأمُّ الرؤوم منذ متى أحبَّ “ميَّار” اللون الأسود وميَّزه عن الألوان المشرقة؟
كانت نفسه الحزينة تلك الساعة تلتئمُ وألمَ الطبيعةِ في فصل الخريف، وهي ترتدي ثوبها الشاحب المقيت.
وكما تذبل الوردةُ وتسقط بتلاتُها بدأَتْ نفسه تذوي شيئاً فشيئاً.
لقد غدا وحيداً في ذاكَ المنزلِ بعد أن تركَتْهُ والدته وذهبَتْ لتعملَ كموظفة في اِحدى الشركات.
فجأةً شعر بنبع الحبِّ ينضب من حوله بعد أن كان يفيضُ عليه بالعطاء.
لقد تعوَّد “ميَّار” أن ينال قسطاً وافراً من رعاية أمِّه؟ إذ كانت تصنع له كلَّ شيء دون أن تُعلِّمه كيفيَّة الاعتماد على نفسه.
كان ينظر إليها وكأنه يُعاتبها ويُعبِّر عن سخطه باستخدام اللون الأسود في موضوعاته، لذا حين طلبت منه المعلمة رسم منظر طبيعي جميل لم يجد أمامه إلا صفحة السَّماء السَّوداء يرسمها في عتمة الليل الحالك؛ بعيداً عن النجوم المُتلألئة والقمر الضاحك الذي يُنيرُ غرفته فيبعد عن نظره صورة الأشباح المُرعبة.
عندما انتهى من دوامه المدرسيّ في اليوم التالي وعاد أدراجه إلى المنزل بصحبة حقيبته الجلديَّة السوداء ونظارته الكالحة لم يستقبله أحدٌ ولم يفتح المنزل له الباب على مصراعيه، لذلك اتجه سيراً على الأقدام إلى الأمام.
لم يكن يعرف له وجهة لكنًّ دموعه المحبوسة في مقلتيه بدأت بالانهمار رويداً رويداً.
شاهد أثناء سيره شجرةً يابسةً فجلس يفترش الأرض تحت أغصانها العارية، وحالة من الغضب والتذمُّر تعتريه، فإذا به يُفَاجَأ بمرور صديقه “مُهذَّب” وهو يحمل الأزهار والورود في يده..
قال بدهشة: -“أوه.. ما هذا؟”.
ابتسم مهذَّب بلطف ثمَّ أجاب:
-“أبذلُ كلَّ ما بوسعي لمساعدة أسرتي، فوالدي يُنفق علينا وعلى أمِّه المريضة وأخته الوحيدة، ولا أُريدُ أن أرهقه بطلباتي”.
قال ميَّار باستغراب:
-“ولكن هل يُعقل أن تعمل بعدَ الدوام؟”.
أجابه “مهذَّب” بثقة عالية:
-“أكثر رفاقنا في المدرسة يعملون قبل الدوام وبعده.. ماذا أذكر لكَ:
“رضا” يُوزِّعُ الجرائد منذ بزوغ الفجر، و”ماجد” يعمل في مكتبة جاره، و”ماهر” يبيعُ المناديل الورقيَّة، و”جلال” يُساعد أخاه في تنظيف السيَّارات”.
شعرَ “ميَّار” بشيءٍ من الارتباك: لكن..!
قاطعه “مُهذَّب”:
-“أرجوك.. ليس لديَّ وقتٌ مناسبٌ إلا الآن، فأنتَ تعرفُ أنَّ والدي يعمل وأُريدُ أن أستغلَّ فرصةَ غيابه عن المنزل”.
-“حسناً.. اِذهبْ رافقتكَ السَّلامةُ”.
نظرَ “ميَّار” إلى صديقه بعمق نظرة إعجاب، وأحسَّ بالخجل والنَّدم من نفسه، لكنَّ فكرةً ومضَتْ في رأسه، وطابت لمزاجه عندما ردَّد هامساً لنفسه:
-“عليَّ العمل والاعتماد على نفسي بعد اليوم”.
ثمَّ شاهدَ والدته تبحث عنه بنظراتٍ ملؤها الخوف والقلق، فإذا به يركض نحوها قائلاً:
-“سأقف إلى جانبك يا أمي، وسأعتمد على نفسي أثناء غيابك”.
استغربت الوالدة من تحوّل نفسيَّة ابنها لكنها شعرت بالفخر والرضا، وكأنَّ فتىً آخر يقفُ أمامها.. ثمَّ أمسك بيدها قائلاً:
-“لنَعُدْ الآن إلى بيتنا وسأكون عوناً لك في كلِّ شيء!”.
ثم سارا معاً عائدين إلى عشهما بعد أن ترك نظارته السوداء عند جذع تلك الشجرة اليابسة.
نجاح الدروبي