
اليوم السادس .. الأوهام سقطت المفاجآت تتوالى
ميخائيل عوض / لبنان
إن ما يجري ليس مجرد جولة عسكرية، بل المرحلة الأخيرة من صراع تاريخي ممتد منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.
الفكرة المركزية التي ينطلق منها التحليل هي أن :
الضربة الأولى للمعتدين لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بينما نجحت إيران في امتصاص الصدمة والانتقال سريعاً إلى الرد، ما أدى إلى انقلاب نوعي في ميزان الحرب.
وتحت عنوان في اليوم السادس إخفاقات متتالية للأمريكي والإسرائيلي وجرأة إيرانية خارج الحسابات ومفاجآت تتكاثر وتتصاعد .
*أولاً: مقارنة الحرب الحالية بحرب الـ12 يوماً*
يركز التحليل على مقارنة الحرب الحالية بالحرب السابقة التي استمرت اثني عشر يوماً.
أي أنه هناك فوارق جوهرية فالبيئة السابقة كانت حينها أكثر ملاءمة لإسرائيل والولايات المتحدة بسبب
حجم الاختراق الأمني داخل إيران، تراكم العمل الاستخباراتي لمدة 47 عاماً و الحصار الاقتصادي الطويل.
وبناء عليه كان هناك الاعتقاد بأن إيران قد لا تكون مستعدة لحرب شاملة.
لذلك استغرق الأمر 12 يوماً قبل أن تتضح معالم الفشل الإسرائيلي ويصرح ترامب بأنه أنقذ إسرائيل من أن تدمرها إيران.
أما في ظروف الحرب الحالية، فالمعطيات تغيّرت جذرياً
إيران درست الحرب السابقة،
عالجت ثغراتها الأمنية، طورت منظوماتها الصاروخية والمسيرات وأعدت خطط رد سريعة ومحكمة.
ولهذا ظهرت مؤشرات التحول في ميزان الحرب منذ اليوم الأول. والتي ظهرت بإخفاقات متتالية للمعتدين ومفاجآت كاسرة للتوازن من قبل الإيرانيين.
*ثانيًا: الإخفاقات العسكرية للمعتدين*
في مجموعة من الإخفاقات التي تعتبر مفصلية في مسار الحرب.
1. فشل الضربة الأولى
الضربة الافتتاحية التي استهدفت قادة عسكريين كبار
مراكز حساسة واغتالت المرشد الأعلى في خطوة كانت تهدف إلى قطع رأس النظام الإيراني وإحداث انهيار داخلي سريع.
لكن ما حدث كان العكس
استعادة مراكز القرار التوازن الإيراني خلال ساعات واستمرت القيادة والسيطرة.وهو ما أفشل فكرة الصدمة القاضية.
2. سرعة الرد الإيراني
من أبرز المفاجآت:
إيران ردّت بعد ساعة واحدة فقط. وهذا يعني جاهزية عالية،
منظومات قيادة وسيطرة على مستويات وطبقات متعددة لا تترك مجالا لحدوث الفراغ في أي مركز قيادة،استعداد مسبق لسيناريو الاغتيالات وهو عنصر مهم في حروب الصدمة والترويع.
3. اختراق منظومات الدفاع الإسرائيلية
تشير المعطيات من الساعة الأولى إلى استخدام إيران
صواريخ عالية السرعة،مسيّرات متقدمة،تكتيكات تشتيت الدفاعات. ما سمح بتجاوز
القبة الحديدية،منظومات الدفاع متعددة الطبقات
وهو ما اعتبره الإعلام الإسرائيلي مفاجأة عملياتية. كما لم يكن في حسابات الأمريكي والإسرائيلي أن إيران ستستهدف القواعد والأصول العسكرية الأمريكية من كردستان حتى مسقط وتصل لقبرص وهذا ما انعكس صدمة أربكت تكتيكيات خطة العدو.
*ثالثًا: مفاجأة مضيق هرمز- الإغلاق الذكي*
من أهم التطورات التي يشير إليها التحليل فكرة الإغلاق الذكي لمضيق هرمز.
المقصود هنا ليس إغلاقاً شاملاً، بل انتقائي بمنع مرور سفن الدول المشاركة في العدوان
السماح بمرور سفن دول محددة
روسيا- الصين -الهند
وهذا يعكس بداية سيطرة على البحار واستخدام الاقتصاد كسلاح استراتيجي دون خسارة الحلفاء.
*رابعًا: فشل الردع البحري الأمريكي*
بإعلان ترمب أن البحرية الأمريكية سترافق السفن في الخليج ظهر حجم العجز الحقيقي في السيطرة وكذلك عكس حجم الخلاف فالواقع أظهر أن السفن التجارية رفضت المخاطرة بالاقتراب من السواحل الإيرانية لأنها تعرف أن هذا يعني التعرض للصواريخ
للزوارق السريعة،للمسيّرات البحرية،للألغام المحتملة.
وبالتالي فإن القوة البحرية الأمريكية لم تنجح في فرض الأمن البحري.
*خامسًا: مفاجأة الجبهة اللبنانية*
يعتبر التحليل أن التطور الأكثر صدمة لإسرائيل كان عودة الجبهة اللبنانية إلى الاشتباك.
فبعد أكثر من عام ونصف من
الاستهداف الإسرائيلي واعتماد سياسة الأرض المحروقة، وسلسلة الاغتيالات التي لم تتوقف كان الاعتقاد الإسرائيلي أن الجنوب أصبح خالياً من المقاومة وأن جبهة لبنان لن تفتح طيلة المعركة.
لكن ما حدث كان صاعقا”
فظهور مجموعات قتالية متقدمة واستخدام صواريخ جديدة وتحقيق إصابات مؤكدة وتدمير دبابات إسرائيلية
واشتباكات قريبة
وهو ما يعني أن البنية القتالية للمقاومة لم تُدمَّر وأن كل ما حشده الإسرائيلي طوال الفترة الماضية من مراقبة سيبرانية على مدار الدقيقة فشل في رصد أو حتى توقع احتمال وجود المقاومة فاعلة وبسلاحها في مواقع اعتقد جازما” أنها باتت خالية من الوجود المسلح.
*سادسًا: فشل مشروع توسيع الحرب إقليمياً*
كان المخطط الأمريكي – الإسرائيلي يقوم على إشراك دول المنطقة في الحرب ضد إيران. لكن المفاجأة كانت
امتناع دول الخليج عن الانخراط ورفضها المشاركة العسكرية حتى الآن. بل وتحركها دبلوماسياً لتجنب التصعيد. إن هذا يعود إلى الخوف من الرد الإيراني، الحسابات الاقتصادية المعقدة والمكلفة إدراك خطورة الحرب. ومع ذلك لم يستبعد التحليل إمكانية انخراط هذه الدول بخطوة انتحارية في مواجهة إيران ولكن خطوة كهذه ستجعل دول الخليج كلها “أكياس رمل” في مواجهة إيران .
*سابعًا: التردد الغربي والثعلب البريطاني*
لم تنجح واشنطن حتى الآن في جرّ أوروبا والناتو إلى الحرب وهو ما يعكس خشية غربية من حرب إقليمية واسعة مبنية على قراءة تستشرف فشل الأمريكي والإسرائيلي في هذه الحرب وتنأى بنفسها عن مخاطر هذه الهزيمة.
حتى بريطانيا، الحليف الأقرب للولايات المتحدة، أبدت حذراً واضحاً في سابقة خطيرة إذ لطالما كانت بريطانيا حليف أمريكا في كل حروبها. وهنا النقطة الجوهرية قد تكون في تفكير بريطانيا وهي رغبتها في ملئ الفراغ الأمريكي في المنطقة والذي يبدو أنها باتت متأكدة من حتمية حدوثه لذلك ستحافظ ما أمكنها ذلك على مسافة لا تقترب فيها فتحرق أوراقا” تطمح للاستثمار فيها ولا تبتعد فتخرج من اللعبة.
*ثامنًا: محاولة فتح جبهة كردية يعني تدمير القضية الكردية وإنهائها*
يشير التحليل إلى خطة استخدام الورقة الكردية ضد إيران، المعطيات تشير إلى
وجود 8 إلى 10 ملايين كردي في إيران وهي نسبة لا تشكل أكثر من 1% من مجموع سكان إيران. إضافة إلى محاولات أمريكية لتجميع فصائل كردية مسلحة في العراق وقسد وإمكانية استخدامها كقوة برية.
لكن التحليل يشكك في نجاح هذا السيناريو ضعف النزعة الانفصالية داخل إيران التي يميزها عبقرية الدستور الإيراني الإسلامي القائم على الاحتواء لا الإقصاء إنه ليس عند الأكراد في إيران قضية هوية كتلك التي كانت في سوريا أو العراق مثلا ولديهم تمثيل نيابي ومحافظ كردي في أماكن وجودهم واللغة الكردية معترف بها في إيران إذا من حيث المعطيات ليس لدى الكرد في إيران ما يدفعهم للانخراط في حرب ضد بلادهم.
إن قبول الأكراد في العراق أو قسد أن يكونوا مرة أخرى بندقية للإيجار في يد الأمريكي الذي أحرق الورقة الكردية في الأمس القريب في سوريا سيعني هذه المرة تدمير القضية الكردية المحقة وإنهاء وجودها تمامآ في حين أن دخولها في الحرب لن يكون له أي وزن أو تأثير بل على العكس قد يعطي الضوء الأخضر لتفعيل عمل القوة البرية الإيرانية من بغداد إلى الحدود التركية ومن البصرة إلى حدود سلطنة عمان وهذا يفتح صندوق باندورا آخر في وجه الأمريكي والإسرائيلي والتركي هذه المرة.
*ثامنًا: ترامب عصاب وإفلاس احتمال التراجع الأمريكي*
يرى التحليل أن سلوك ترامب يعكس عصاب وإفلاس وتخبط وقد يتجه إلى إعلان تحقيق النصرثم وقف الحرب
وهو أسلوب سياسي معروف في الأزمات الدولية.
بمعنى إعلان نجاح رمزي لتبرير الانسحاب من المواجهة.
في المحصلة، يكشف اليوم السادس من هذه الحرب الوجودية عن تحوّل تدريجي في بنية الصراع ومساراته. فبعد الضربة الافتتاحية التي سعت إلى إحداث صدمة استراتيجية عبر استهداف القيادة والبنية العسكرية، تبيّن أن قدرة إيران على امتصاص الصدمة وإعادة تنظيم مراكز القرار والعمل العسكري قد حدّت من مفاعيل تلك الضربة، وأعادت المعركة إلى منطق الاستنزاف المتبادل بدلاً من الحسم السريع الذي راهن عليه المعتدون. ومع تراكم الإخفاقات التكتيكية وظهور مفاجآت ميدانية غير محسوبة، بدأت تتشكل مؤشرات على تحوّل ميزان المبادرة من حالة التفوق الصدمي إلى حالة التوازن القلق.
كما أظهرت التطورات أن الحرب لم تعد محصورة في بعدها العسكري المباشر، بل باتت حرب منظومات شاملة تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد والطاقة والسياسة الإقليمية. فملفات مثل أمن الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف القواعد العسكرية، واحتمالات اتساع الجبهات، جميعها عوامل تضاعف كلفة الحرب وتزيد من حساسيتها على المستوى الدولي، بما يحولها من مواجهة إقليمية محدودة إلى عقدة استراتيجية تمسّ التوازنات العالمية.
وعليه، فإن قراءة هذه المرحلة ينبغي أن تنطلق من تحليل ديناميات القوة المتراكمة، وقدرة الأطراف على إدارة الزمن الاستراتيجي للحرب. فالحروب الكبرى لا تُحسم عادة بالضربة الأولى، بل بقدرة الأطراف على الصمود وإعادة التكيّف وإنتاج المفاجآت في لحظات التحوّل. ومن هنا، فإن ما تكشفه وقائع اليوم السادس ليس نهاية المسار، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً.
🖋 ميخائيل عوض