
في خضم متابعتي الدقيقة للزلزال الإقليمي الراهن، برز في ذهني سؤال مفصلي يتجاوز ضجيج الانفجارات: لماذا تبدو إيران محصنة إلى هذا الحد ضد الانقلابات العسكرية؟ ولماذا لم يظهر فيها ذلك “الجنرال الطامح” الذي يستيقظ ذات صباح ليعلن عبر الإذاعة استلام الجيش للسلطة، كما حدث مراراً في تجارب عديدة من دول العالم الثالث؟
الإجابة، في جانبها الأعمق،ربما تكمن في ما يمكن تسميته بـ”العقل المؤسسي” الذي أعاد هندسة الدولة الإيرانية بعد ثورة عام 1979. فالتجربة التي أسقطت النظام السابق، الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على الجيش التقليدي، ولّدت هاجساً دائماً لدى القيادة الجديدة: ألا تتحول المؤسسة العسكرية مرة أخرى إلى بوابة للسلطة.
من هنا نشأ قرار استراتيجي ببناء منظومة أمنية متعددة المراكز. لم تعد القوة محتكرة داخل مؤسسة واحدة، بل توزعت داخل شبكة معقدة من المؤسسات التي تراقب وتوازن بعضها بعضاً. وفي مثل هذه البيئة، لا يجد الطموح الفردي—وهو الوقود التقليدي للانقلابات العسكرية—المساحة التي تسمح له بالتشكل. فالجنرال هنا ليس فاعلاً حراً قادراً على بناء مشروع سياسي مستقل، بل جزء من منظومة رقابة متبادلة وصارمة.
ثم جاءت تجربة الحرب الطويلة في ثمانينيات القرن الماضي لتضيف طبقة أخرى من هذا التحصين. تلك الحرب لم تنتج خبرة قتالية فحسب، بل أسهمت في صهر المؤسسة العسكرية داخل جسد النظام نفسه، بحيث أصبح الدفاع عن الدولة والدفاع عن العقيدة السياسية وجهين لعملة واحدة.
وبينما اعتادت جيوش كثيرة في دول العالم الثالث أن ترى نفسها “حارساً للدولة” في مواجهة السياسيين، تشكل في إيران تصور مختلف: المؤسسة العسكرية جزء عضوي من النظام وليست بديلاً عنه.
غير أن هذا التحصين لم يكن مجرد ترتيب مؤسسي داخلي، بل تحول مع الوقت إلى آلية لإدارة دولة تعيش في بيئة صراع دائم. فالضغوط الخارجية والعقوبات والتوترات الإقليمية لم تُضعف هذا البناء بقدر ما عززت منطقه الداخلي، إذ أصبح التهديد الخارجي عاملاً يوحد المؤسسات الأمنية والعسكرية حول فكرة بقاء النظام نفسه.
لهذا يبدو استقرار هذا المشهد أبعد ما يكون عن الصدفة. إنه نتاج تصميم مؤسسي واعٍ سعى منذ البداية إلى تحييد سيناريو “البيان رقم واحد”، بحيث لم يُغلق باب الانقلاب سياسياً فحسب، بل أُغلق بنيوياً قبل ذلك بكثير.
ومع تصاعد الاضطرابات في الإقليم اليوم، يتضح أن البيئة التي تسمح بتحول الطموح العسكري إلى انقلاب لم تُترك لتتشكل من الأساس، وهو ما يفسر إلى حد بعيد صمود الهيكل الإيراني رغم حدة الضغوط وعنف العواصف التي تضرب المنطقة.