
أبي كان رجلاً عاديًّا،
يعود من العمل بلا قلب،
تحرص أمّي على غلق الأبواب و النّوافذ جيّدًا
حتّى لا يتفطّن إلى دويّ ٱنكسار قطعةٍ أخرى منهُ في العالم.
ليس من السّهل أن تجلس قبالة أبيك
و تأتي أمّكَ بالكيس البلاستيكيّ كلّ ربع ساعة
لتجمعَ ما يسقطُ من صدره.
ليس من السّهل أبدًا
أن تكون الشّظايا قاموس المفردات الوحيد
بينكَ و بين من تحبّ.
يعود أبي كلّ يومٍ من العمل بالطّريقة نفسها:
مفقودًا.
وحدها أمّي من تنجحُ في العثورِ عليهِ بقُبلةٍ على الجبين
و صحن فاصولياء.
هنالك أكثر من شكلٍ للغياب،
واحدٌ منهُ يعيشُ معنا بالبيت من ثلاثين سنة،
توقظهُ أمّي كلّ صباح ليُعيل ستّةَ أبناء.
دعوتُ الله كثيرًا ليعطيني أبًا آخر
أو ليعطي أبي عملاً آخر يتركُ لنا حصّةً من فمه أو أصابعه
و قليلاً من الزّوجِ في نهايةِ اليوم.
أذكرُ كيف كان أولاد الحيّ يخفون عنّا سعادتهم
حين نمرّ بهم
لأنّهم يخافون أن يُعَيِّرونا بما لا نملك.
لم تعمل ضحكةُ أمّي من ثلاثين سنة،
تزيّتُ فمها أحيانًا
و تحشوه بثرثرة الجارات حتّى لا يتعطّل كليًّا.
ليس هنالك أصعبُ من أن تمدّ مطرقتك و علبة الدّبابيس
و تحاول تثبيتَ عائلةٍ كلّ براغيها خربانة.
لم يكن أبي رجلاً قاسيًا،
لكنّهُ كان ينسى طيبتهُ كالجزدان
في الحافلةِ و الشّارع و على طاولة المكتب،
و يأتينا مُفلسًا من بقشيشِ البسمات و الأحضان.
كلّ ما أعرفهُ عن الفقر أنّهُ يسرق منّا الأفرشة و الطّعام.
لم يخبرني أحدٌ أنّهُ يسرق منّا الآباء أيضًا.
في العيد الثّلاثين لزواج والديّ،
أردتُّ أن أُعِيرَ أبي شفتيّ،
أن أشتري لهُ ولو ربع كيلو من الصّوت
حتّى لا تظلّ أمّي تنتظرُ مُلاطفةً لن تأتي.
ما من سببٍ يدعو ٱمرأةً للحزن
سوى أن تتزوّج حبيبها و يُخّلفَان الصّمتَ معًا
مثل طفلٍ بإعاقة.
ما الذي يمكن أن يقوله لي أبي آخر اللّيل
و أنا ألكز الكلمات بمرفقي،
أجمع قبضتي و ألكمُ سحنتها،
أسارعُ بها لمشفى الطّوارئ،
لكنّها لا تتحرّك:
عضوٌ آخر منه ينهشهُ العمل.