رؤي ومقالات

مقالة / انكسار السند

#انكسار #السَّنَد

لماذا لا ينضجُ المعنى إلا على حوافّ الفقد؟ ولماذا لا نُبصرُ بهاء الأشياء إلا وهي تُنتزعُ من جذورِ أرواحنا؟ هو ذاك السؤالُ السيزيفيُّ الذي يحرثُ وجودنا كلما داهَمَنا مساءٌ منتحبٌ لا يتركُ لنا إلا صدى خيباتنا
لمن نبكي الآن؟ والوجودُ خلفنا يتبخر والأشياءُ التي ظننّاها أبديةً تفرُّ من بين أصابعنا كالسراب
​أذكرُ تلك اللحظة في المشفى حين كنا نحيطُ بسريره كأشجارٍ يابسةٍ ضربها الإعصار كنتُ متكتلةً على نفسي منزويةً في ركنِ ذهولي أحاولُ أن أسترقَ من صدرهِ نفساً واحداً يطردُ فكرةَ الرحيل
في ذلك الضيق زحفت إليّ الذكرياتُ كأشباحٍ تعاتبني استحضرتُ أوجاعهُ الصامتة التي كان يغلفها بهيبةِ كبريائه وحين نطق الطبيبُ بحكمِ الإعدام: (لقد غادر الحياة)
لم تكن مجرد جملة إنما كانت فأساً هشّمَ مرآةَ كوني
في تلك اللحظةِ الرهيبة فرغت الغرفةُ من ركامها البشريّ رغم ازدحامِ إخوتي حولي سقطتُ في ثقبٍ أسود من الغربة وجدتُني وحيدةً تماماً وسط الزحام
أدركتُ حينها أن الامتياز الذي كنتُ أرتديهِ كدرعٍ ليحميني في وحدتي انهار مع أولِ صرخةِ غياب
​يا الله! كم استبدَّ بي الزهو حين ضربتُ بنصحهِ عُرضَ الحائط! ظننتُ في لحظةِ طيشٍ وجودي أن الثباتَ صفةُ الدنيا وأن الجدارَ الذي أستندُ إليه منذُ وعيتُ على الأرض سيظلُّ شامخاً بوقارهِ ودِفئه وعذاباتهِ التي كانت تفيضُ حُبّاً مبطناً
لم أتوقع أن ينكسر ذاك الجبروتُ بلمحةِ بصر
كنتُ أمارسُ تجاهلاً مقدساً للحقيقة حتى هوى السقفُ فوق رأسي مع صعود روحه إلى السماء
كان صوتهُ في مكالماته الأخيرة يأتيني الآن كأجراسٍ جنائزية تخترقُ صمتَ الغرفةِ لتعذبني بما أضعته
كنتُ حينها غارقةً في كتبي أطاردُ أحلامي الجامعية في بلاد الغربة بينما كان هو يطاردُ طيفي بكلماتٍ لم أدرك أنفاسها الأخيرة إلاّ الآن:
(​لا تتركي الغربةَ تسرقُ ملامحكِ)
​(هل يكفيكِ ما معكِ من مال؟)
(متى تعودينَ لتضيئي الديار؟)
​(متى تزفينَ إليّ فرحةَ زواجكِ؟
​كنتُ حينها أُتقنُ فنَّ الهروب أراوغُ الحوار وأتجاهلُ نبض الخوف في نبرته
واليوم وأنا محاصرةٌ بين أربعةِ جدرانٍ باردة أجدُ عواطفي مشلولةً تماماً أمام جلالِ الموت أتساءلُ والحرقةُ تأكلُ حنجرتي:
لماذا لا نقدّسُ أشجارنا العظيمة إلا حين تجتثها الريح؟
​يأتي السؤالُ كالعلقم لزجاً كطعمِ الفقد..
​ألملم شتات روحي لكنني أقتفي أثرهُ في كل خطوة
لماذا ؟ غيبه الموت ؟
يأتي السؤال مراً مستنكراً الحقيقة
ألملمُ نفسي وأتماهى مابين حزْني و رائحة الموْت
وأحملُ نصائحهُ كتميمةٍ أخيرة
وأمضي أتَرحَّم

#مرشدة #جاويش
مقال لي نشر بصحيفة الفرات ٢٠٠٧
تذكرة وجع لنص لا يشيخ في عيني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى