رؤي ومقالات

السفير أحمد مجاهد يكتب :الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران: البحث عن مخرج لإعلان الانتصار

تحتاج أطراف الحرب إلى شكل من أشكال الانتصار يمكن تقديمه إلى جمهورها الداخلى وإلى العالم. لذلك لا تُخاض العمليات العسكرية فقط لتحقيق نتائج ميدانية، بل أيضا لصياغة الظروف السياسية التى قد تسمح بإنهاء الصراع وإعلان النصر.
يمكن تحليل استراتيجية الحرب خلال المرحلة الاولى إلى مواجهة بين هدفين استراتيجيين مختلفين: محاولة الحسم الخاطف من جانب واشنطن وتل أبيب، فى مقابل استراتيجية إيرانية تقوم على “التصعيد الافقى”، أى توسيع الصراع إلى النطاق الإقليمى، واستهداف إسرائيل والمواقع والمصالح الأمريكية، والتهديد بإغلاق ممرات النقل البحرى العالمية (هرمز وباب المندب) وتحويل المواجهة إلى حرب استنزاف وإطالة أمد الصراع.
وقد انتهت هذه المرحلة بعدم قدرة الثنائى الأمريكى-الإسرائيلى -من جانب- على شل أو إسقاط النظام الإيرانى، مع نجاحهما فى تكبيد طهران خسائر جسيمة، و-من جانب آخر- بصمود إيران وقدرتها على اختراق القبة الحديدية الإسرائيلية ومنظومات الدفاع الجوى الأمريكية، وتكبيد واشنطن وتل أبيب خسائر غير متوقعة.
فى الوقت نفسه، كشفت الأيام الأخيرة عن اختلاف فى الأولويات بين واشنطن وتل أبيب.
فإسرائيل تنظر إلى استمرار النظام الإيرانى باعتباره تهديدا وجوديا، وهو ما يدفعها إلى تفضيل بديل القضاء عليه حتى النهاية، أو إضعاف قدراته الصاروخية والنووية بشكل دائم عبر عمليات عسكرية أطول.
أما الولايات المتحدة فتتحرك وعين الإدارة على تأثير الحرب على الوضع الاقتصادى الداخلى فى أمريكا قبل انتخابات نصف المدة للكونجرس فى نوفمبر، وأيضا ضمن إطار استراتيجى أوسع يشمل الاستقرار الاقتصادى العالمى والتوازنات الجيوسياسية فى مناطق أخرى.
هذه الفجوة لا تمثل خلافا مباشرا حتى الآن، لكنها قد تظهر بوضوح فى حالة دفع ترامب نحو إنهاء الحرب وإعلان النصر قبل تحقيق أهداف نتنياهو.
فى ضوء ارتفاع مستوى الخسائر للطرفين، والضغط السياسى الكبير المتصاعد على ترامب، ولكن أيضا على النظام الإيرانى نتيجة صعوبة الأوضاع الاقتصادية، بدأ “نضوج” الموقف للوساطة والمساعى الدبلوماسية لإنهاء الحرب.
ستجمع المرحلة القادمة على الأرجح بين التصعيد الجوى المكثف والحاسم من جانب إسرائيل والولايات المتحدة، على غرار طلعات الحلفاء ضد دريسدن فى آخر فصول الحرب العالمية الثانية، مع استمرار “التصعيد الأفقى” الإيرانى فى حدود مخزونها من الأسلحة والذخائر وقدراتها، وبين محاولات دبلوماسية موازية لاستكشاف صيغ الخروج من الحرب.
إلا إذا قام أحد أطراف المواجهة بعمل صادم وحاسم وخارج عن المألوف، من قبيل لجوء ترامب إلى “الحل اليابانى” -أى إنهاء الحرب بغتة بضربة نووية محدودة تجبر القيادة الإيرانية على الاستسلام الفورى- أو تحقيق إيران لنجاح عسكرى نوعى وغير متوقع -كالقيام باختبار نووى أو باغتيال نتنياهو.
تختلف تعريفات النصر لدى الأطراف.
بالنسبة للولايات المتحدة قد يُعرّف النصر بتدمير جزء كبير من القدرات الصاروخية الإيرانية وفرض قيود طويلة الأمد على برامجها العسكرية والنووية.
أما إسرائيل، فترى حكومتها اليمينية المتطرفة أن أى نتيجة لا تؤدى إلى إسقاط النظام الإيرانى ستُعد إخفاقا استراتيجيا.
فى المقابل قد تعتبر إيران أن مجرد بقاء النظام، واحتفاظها بقدرات ردع أساسية وبمخزونها من اليورانيوم المخصب، ونجاحها فى التفوق على منظومات الدفاع الجوى المتقدمة وإصابة أهداف أمريكية وإسرائيلية، يمثل انتصارا كبيرا.
وبالتالى تختلف أيضا استراتيجيات الخروج من الحرب. فواشنطن تميل إلى إعلان النصر بعد تحقيقها قدرا معتبر من النجاح العسكرى، بينما ستسعى إسرائيل إلى الضغط فى اتجاه استمرار العمليات لتحقيق أهدافها أو أهداف أوسع. أما إيران فستواصل استراتيجية الصمود وإطالة أمد الصراع أملا فى أن تؤدى الضغوط الاقتصادية والسياسية الدولية إلى وقف العمليات العسكرية، مع قبول التفاوض وإنهاء الحرب دون تقديم تنازلات جوهرية.
فى الخلفية بدأت قنوات دبلوماسية غير معلنة فى التحرك. تحاول بعض الدول الإقليمية تسهيل اتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران، كما تبدي أطراف دولية اهتماما بالوساطة. ما زالت هذه الجهود فى مراحلها الأولى، لكنها تشير إلى أن الدبلوماسية ربما قد بدأت تتحرك بالتوازى مع العمليات العسكرية.
وفى ضوء حاجة جميع الأطراف إلى إعلان الانتصار، فمن المرجح أن تنتهى الحرب بمحاولة تحويل النتائج العسكرية إلى روايات سياسية تسمح لكل طرف بإعلان النصر وتقليص خسائره

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى