
يُعتبر الشاعر الراحل “محمد الغزي” أحد أهم الأصوات الشعرية التي أثرت المشهد الشعري في تونس والوطن العربي في العصر الحديث، بإضافاته النوعية التي شكَّلت إلى حدٍّ ما حضوراً في شريحة مهمَّة من متذوِّقي الشعر ومتابعيه، كان الشاعر الراحل مسكوناً بحبِّ الحياة والأرض يعيشها مبتهجاً على الدوام كعاشق ولهان يتغنَّى بمحاسنها في جموح منقطع النظير.. أنشد:
من أجلنا هذه الأرض التي دحيت
فنحن زخرفها والماء والسُّحب
إن يجتنب أهلها ألوان فتنتها
فليس يجتنب العشَّاق ما اجتنبوا
ثيبوا إذا ارتكبوا فيها ذنوبهموا
وأشركوا إن مضوا عنها وما ارتكبوا
إذن، هكذا هي العلاقة التي تربط الشاعر ومريديه بالأرض والحياة كما يراها علاقة الفعل المعاش والمعاش الفاعل، ولذلك لم تكن نزعة التصوّف في مدوّنة الشاعر الشعرية سماوية بقدر ما كانت نزعة أرضية تتماهى الذات الشاعرة وتكرِّس حلولها في الأرض ومباهجها.
في ومضة أخرى أنشد:
يا حادي العشَّاق إنِّي لواجد
إنِّي أنا العشَّاق قد جمعوا في واحد
عشق لا متناهٍ واندغام وذوبان في متع الحياة ورغبة جامحة في صناعة حياة مسكونة بالبهجة الغامرة قبل الانسحاب المرِّ منها مرغماً إلى حياة أخرى بعد الموت لهذا هاجس الاستمرارية جعل الشاعر لا يؤرخ لقصائده ولا يشير إلى أماكن كتابتها وهو الحالم بالبقاء رغم الرحيل في ظلمة القبر الدامسة.
هذا المقال القصير نتفة قليلة مما يجب أن يكتب عن الحضور الشعري لهذا الشاعر الذي أمتعنا بما جادت به قريحته طوال عقود.. والأكيد أنه يستحق الاحتفاء أكثر بمنجزاته الشعرية والنثرية.
بقلم: بلقاسم بن سعيد
مدينة سوسه – تونس
18/02/2024