رؤي ومقالات

د.حسن العاصي يكتب :من الشرق الأوسط إلى الدنمارك: هل تعيد كوبنهاغن النظر في سياسة اللجوء

تشهد الدنمارك في السنوات الأخيرة واحدة من أكثر لحظات إعادة التقييم السياسي حساسية منذ أزمة اللاجئين عام 2015، وذلك في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف الأوروبية من موجات نزوح جديدة. فمع اندلاع صراعات متتالية في المنطقة—من غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى العراق—تقدّر منظمات دولية أن أكثر من 4.2 مليون شخص قد نزحوا خلال العامين الأخيرين فقط، بينما تشير توقعات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى احتمال ارتفاع هذا الرقم إذا استمرت الأوضاع الأمنية في التدهور.

بالنسبة للدنمارك، التي تبنّت منذ 2019 واحدة من أكثر سياسات اللجوء تشددًا في أوروبا، فإن هذه التطورات تضع الحكومة أمام معادلة معقدة: كيف يمكن الحفاظ على نهج “صفر لجوء” الذي تبنته الحكومات المتعاقبة، وفي الوقت نفسه التعامل مع واقع جيوسياسي يهدد بخلق موجة لجوء جديدة نحو القارة الأوروبية؟ فوفقًا لإحصاءات وزارة الهجرة الدنماركية، انخفض عدد طلبات اللجوء من 21,000 طلب في 2015 إلى أقل من 2,000 طلب سنويًا منذ 2021—وهو أدنى مستوى منذ ثلاثة عقود. لكن استطلاعات الرأي الأخيرة تُظهر أن 58% من الدنماركيين يعتقدون أن التوترات في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى زيادة ملحوظة في أعداد طالبي اللجوء خلال السنوات المقبلة، بينما يرى 46% أن على الحكومة تشديد السياسة أكثر.

هذا القلق الشعبي ينعكس بوضوح في الخطاب السياسي خلال انتخابات 2026، حيث أصبحت الهجرة واللجوء ثالث أهم قضية للناخبين بعد الاقتصاد والرعاية الصحية. كما أن أحزاب اليمين—مثل حزب الشعب الدنماركي والديمقراطيين الدنماركيين—تستخدم التطورات في الشرق الأوسط لتبرير مطالبها بإغلاق الحدود بشكل شبه كامل، بينما تدعو أحزاب اليسار إلى مقاربة أكثر إنسانية، محذّرة من أن تجاهل الأزمات الإنسانية قد يضر بصورة الدنمارك الدولية.

وفي ظل هذا المشهد المتوتر، يبرز سؤال محوري: هل ستستمر كوبنهاغن في نهجها المتشدد، أم أن التطورات الجيوسياسية ستجبرها على إعادة النظر في سياسة اللجوء؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بالسياسة الداخلية، بل يرتبط أيضًا بعلاقات الدنمارك مع الاتحاد الأوروبي، والتزاماتها الدولية، وصورتها كدولة تدافع عن حقوق الإنسان.

خلفية تاريخية لسياسة اللجوء الدنماركية

على مدى العقدين الماضيين، مرت الدنمارك بتحول جذري في رؤيتها لملف اللجوء والهجرة، انتقالًا من دولة ارتبط اسمها في التسعينيات بسياسات الرفاه والانفتاح، إلى واحدة من أكثر الدول الأوروبية تشددًا في هذا المجال. هذا التحول لم يكن وليد لحظة واحدة، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية واقتصادية، بدأت ملامحها تتشكل بوضوح مع وصول حكومة يمين الوسط بقيادة حزب فينستره عام 2001. ففي تلك المرحلة، شرعت الحكومة في إعادة صياغة قواعد اللجوء، عبر تخفيض المساعدات الاجتماعية للاجئين، وتشديد شروط لمّ الشمل، وتقليص فرص الحصول على الإقامة الدائمة، في محاولة للحد من تدفق المهاجرين وإعادة ضبط سياسات الاندماج.

غير أن اللحظة المفصلية التي أعادت تشكيل المشهد بالكامل جاءت مع أزمة اللاجئين عام 2015، حين شهدت أوروبا أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية، مع وصول أكثر من 1.3 مليون طالب لجوء إلى حدودها، بينهم عشرات الآلاف من سوريا والعراق وأفغانستان. وفي ذلك العام وحده، تلقت الدنمارك 21,316 طلب لجوء، وهو أعلى رقم في تاريخها الحديث. هذا الارتفاع المفاجئ أثار نقاشًا سياسيًا محتدمًا، ودفع الحكومة إلى تبني سلسلة من التشريعات التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها “الأشد في أوروبا”. شملت هذه الإجراءات قانونًا يسمح بمصادرة ممتلكات اللاجئين لتغطية تكاليف إقامتهم، وتشديد شروط الحصول على الإقامة الدائمة إلى ثماني سنوات، وتقليص المساعدات المالية بنسبة تصل إلى 50%، إضافة إلى طرح مقترح مثير للجدل يقضي بنقل طالبي اللجوء إلى مراكز خارج أوروبا، مثل رواندا.

ومع وصول حكومة مته فريدريكسن عام 2019، اتخذت الدنمارك خطوة أكثر حسمًا، إذ تبنت رسميًا سياسة “صفر لجوء”، وهي رؤية تهدف إلى تقليص عدد طالبي اللجوء إلى أدنى مستوى ممكن، عبر تشديد الرقابة على الحدود، وتوسيع التعاون مع دول ثالثة، وتعزيز الإجراءات التي تمنع تقديم طلبات اللجوء داخل الأراضي الدنماركية. وقد انعكست هذه السياسة بوضوح في الأرقام، إذ انخفض عدد طلبات اللجوء إلى 2,716 طلبًا في 2019، ثم إلى 1,547 طلبًا في 2020، و1,415 طلبًا في 2021، و1,864 طلبًا في 2022، ليستقر المعدل منذ ذلك الحين عند أقل من 2,000 طلب سنويًا حتى عام 2025.

هذا الانخفاض الحاد جعل الدنمارك الدولة الأقل استقبالًا للاجئين في الاتحاد الأوروبي نسبةً إلى عدد السكان، ورسّخ صورتها كدولة تتبنى واحدة من أكثر سياسات اللجوء صرامة في القارة. ومع ذلك، فإن هذا التحول لم يكن مجرد خيار سياسي، بل أصبح جزءًا من هوية جديدة تتشكل داخل المجتمع الدنماركي، حيث باتت قضايا الهجرة واللجوء مرتبطة بالنقاشات حول الأمن والاندماج والهوية الوطنية، ومؤثرة بشكل مباشر في توجهات الناخبين وفي طبيعة التحالفات السياسية.

تأثير التوترات في الشرق الأوسط على الموقف الدنماركي

أعاد التصعيد المتواصل في الشرق الأوسط، سواء في غزة أو جنوب لبنان أو البحر الأحمر أو العراق، ملف اللجوء إلى قلب النقاش السياسي في الدنمارك، بعد أن كان قد تراجع نسبيًا خلال السنوات الأخيرة. فمع كل موجة عنف جديدة في المنطقة، تتجه الأنظار في كوبنهاغن إلى احتمالات أن تمتد تداعياتها إلى أوروبا، وما إذا كانت البلاد ستواجه ضغوطًا جديدة لاستقبال لاجئين، كما حدث في 2015. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن النزاعات الأخيرة وحدها أدت إلى نزوح أكثر من 4.2 مليون شخص خلال عامين فقط، بينما تحذر تقارير أوروبية من أن استمرار التدهور الأمني قد يخلق موجة لجوء جديدة نحو القارة، وهو سيناريو يثير قلقًا واسعًا داخل المجتمع الدنماركي.

هذا القلق الشعبي يتجلى بوضوح في استطلاعات الرأي. ففي فبراير 2026، أظهر استطلاع لمؤسسة Voxmeter أن 58% من الدنماركيين يعتقدون أن التوترات في الشرق الأوسط قد تؤدي بالفعل إلى موجة لجوء جديدة، بينما يرى 46% أن على الحكومة تشديد سياسة اللجوء أكثر مما هي عليه الآن، في حين لا يتجاوز دعم استقبال لاجئين من مناطق الحرب 29% فقط. هذه الأرقام تعكس حالة من الحذر وربما الخوف من تكرار تجربة 2015، التي ما زالت حاضرة في الذاكرة السياسية والاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، تجد الدنمارك نفسها في مواجهة ضغوط متزايدة من الاتحاد الأوروبي، الذي يناقش منذ عام 2024 آلية توزيع إلزامي للاجئين بين الدول الأعضاء. ورغم أن الدنمارك تتمتع باستثناء رسمي من نظام اللجوء الأوروبي (Dublin)، فإنها لا تستطيع تجاهل النقاش الأوروبي تمامًا، خاصة في ظل الدعوات المتزايدة داخل الاتحاد لتقاسم المسؤولية بشكل أكثر عدالة. هذا الوضع يضع كوبنهاغن في موقع حساس: فهي من جهة تريد الحفاظ على استقلالية سياستها الصارمة، ومن جهة أخرى تدرك أن تجاهل الموقف الأوروبي قد ينعكس على علاقاتها داخل الاتحاد.

أما داخليًا، فتربط الدنمارك بين ملف اللجوء وملف الأمن الداخلي، خصوصًا بعد سلسلة من الحوادث الفردية التي أثارت نقاشًا حول التطرف والعنف. هذا الربط بين اللجوء والأمن أصبح جزءًا من الخطاب السياسي السائد، ويستخدمه بعض الأحزاب لتبرير استمرار سياسة “صفر لجوء”. لكن في المقابل، تواجه الحكومة انتقادات من جهات دولية مثل مجلس أوروبا والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمات حقوق الإنسان، التي ترى أن السياسة الدنماركية الحالية تتعارض مع روح اتفاقية جنيف لعام 1951، وتحدّ من حق اللجوء بشكل يتجاوز ما تسمح به المعايير الدولية.

وبذلك، تبدو الدنمارك اليوم عالقة بين ثلاثة ضغوط متوازية: ضغط شعبي يخشى موجة لجوء جديدة، وضغط أوروبي يدعو إلى تقاسم المسؤولية، وضغط دولي يطالبها باحترام التزاماتها الإنسانية. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يصبح السؤال حول مستقبل سياسة اللجوء الدنماركية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

مواقف الأحزاب الدنماركية في ظل الأزمة

تكشف أجواء انتخابات 2026 عن انقسام سياسي واضح في الدنمارك حول كيفية التعامل مع تداعيات التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، وهو انقسام يعكس اختلافًا عميقًا في الرؤى بين الكتل السياسية حول مستقبل سياسة اللجوء. فالأحزاب اليمينية، وعلى رأسها حزب الشعب الدنماركي (DF) وحزب الدنماركيين (DD)، تتبنى خطابًا متشددًا يدعو إلى إغلاق الحدود بشكل شبه كامل، رافضة استقبال أي لاجئ قادم من مناطق النزاع في الشرق الأوسط. ويستند هذا التيار إلى سردية تربط بين اللجوء والأمن الداخلي، مستشهدًا ببيانات حكومية تشير إلى أن نسبة من القضايا الجنائية خلال السنوات الماضية ارتبطت بأفراد من خلفيات مهاجرة، رغم أن هذه النسبة لا تتجاوز 4–5% من إجمالي الجرائم المسجلة. كما يدعو هذا التيار إلى إلغاء الإقامات المؤقتة الممنوحة للاجئين السوريين، معتبرًا أن الظروف في بعض المناطق السورية “باتت آمنة بما يكفي للعودة”، وهو موقف أثار جدلًا واسعًا داخل البلاد وخارجها.

أما حزب فينستره والمحافظون، فيتبنون مقاربة أكثر براغماتية، تجمع بين التشدد والمرونة. فهم يدعمون استمرار سياسة صارمة للجوء، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون فكرة الحظر الكامل، معتبرين أن الدنمارك لا يمكنها الانعزال عن محيطها الأوروبي. وتشير بيانات صادرة عن وزارة الهجرة إلى أن هذين الحزبين يؤيدان استقبال أعداد محدودة من اللاجئين في الحالات الإنسانية القصوى، خصوصًا عبر برامج إعادة التوطين التابعة للأمم المتحدة، والتي لم تتجاوز في السنوات الأخيرة 200–300 شخص سنويًا. ويرى هذا التيار أن الحلول الأوروبية المشتركة هي السبيل الأمثل للتعامل مع أي موجة لجوء محتملة، خاصة في ظل النقاش الدائر داخل الاتحاد الأوروبي حول آلية توزيع اللاجئين بين الدول الأعضاء.

وعلى الجانب الآخر من الطيف السياسي، تتبنى أحزاب اليسار — مثل الحزب الاجتماعي الديمقراطي (S) والاشتراكيين الشعبيين (SF) والقائمة الموحدة (Enhedslisten) والراديكاليين (Radikale) — رؤية أكثر إنسانية، تؤكد على ضرورة حماية الفئات الأكثر ضعفًا، وتنتقد بشدة السياسات التي تهدف إلى نقل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة. وتستند هذه الأحزاب إلى تقارير دولية تشير إلى أن 70% من اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط هم من النساء والأطفال، وأن الظروف الإنسانية في مناطق النزاع تتدهور بشكل متسارع. كما تحذر هذه الأحزاب من أن التشدد المفرط قد يضر بصورة الدنمارك الدولية، خاصة أنها تُعد من الدول الموقعة على اتفاقية جنيف لعام 1951، والتي تضمن حق اللجوء لمن يفرون من الاضطهاد والحرب.

أما حزب المعتدلين (Moderaterne)، فيقف في منطقة وسطى بين المعسكرين، محاولًا تقديم مقاربة “منظمة” لملف اللجوء. فهو يدعو إلى استقبال حالات محددة عبر قنوات الأمم المتحدة، مع رفض تام لأي موجات لجوء غير منظمة. وتشير بيانات صادرة عن الحزب إلى أنه يرى أن الدنمارك يجب أن توازن بين التزاماتها الإنسانية وقدرتها الاستيعابية، وأن تتجنب القرارات المتطرفة التي قد تؤدي إلى انقسام داخلي أو توتر مع الشركاء الأوروبيين.

وبذلك، يتضح أن المشهد السياسي الدنماركي يعيش حالة من الاستقطاب حول ملف اللجوء، حيث تتراوح المواقف بين التشدد الكامل والانفتاح المشروط، وبين المقاربة الإنسانية والمقاربة الأمنية. ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، يبدو أن هذا الانقسام سيظل أحد المحاور المركزية في النقاش السياسي خلال المرحلة المقبلة.

السيناريوهات المستقبلية لسياسة اللجوء الدنماركية

مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد الانقسام السياسي الداخلي، تبدو الدنمارك مقبلة على مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل سياستها تجاه اللجوء خلال السنوات المقبلة. فالمشهد السياسي والاجتماعي يشير إلى ثلاثة مسارات محتملة، يتداخل فيها العامل الأمني مع الضغوط الأوروبية والالتزامات الدولية، ما يجعل مستقبل سياسة اللجوء مرهونًا بتوازنات دقيقة أكثر من أي وقت مضى.

السيناريو الأول يتمثل في استمرار النهج المتشدد الذي تبنته الحكومات المتعاقبة منذ عام 2019، وهو نهج يستند إلى سياسة “صفر لجوء” التي خفّضت عدد الطلبات إلى أقل من ألفي طلب سنويًا، وهو أدنى مستوى في الاتحاد الأوروبي. هذا السيناريو يجد دعمًا في استطلاعات الرأي التي تظهر أن ما بين 45% و55% من الدنماركيين يفضلون الحفاظ على سياسة صارمة، خاصة في ظل المخاوف من موجة لجوء جديدة قد تنتج عن النزاعات في الشرق الأوسط. كما أن صعود الأحزاب اليمينية في استطلاعات انتخابات 2026 يعزز احتمال استمرار هذا النهج، خصوصًا إذا تمكنت هذه الأحزاب من التأثير على تشكيل الحكومة المقبلة أو على الأقل على أجندتها التشريعية.

أما السيناريو الثاني فيقوم على تعديل تدريجي للسياسة الحالية دون التخلي عن جوهرها، وهو خيار قد تلجأ إليه حكومة وسط أو حكومة تضم أحزابًا من طيفين سياسيين مختلفين. في هذا السيناريو، قد تسمح الدنمارك باستقبال أعداد محدودة من اللاجئين عبر برامج إعادة التوطين التابعة للأمم المتحدة، والتي تتراوح عادة بين 200 و300 شخص سنويًا، مع الإبقاء على القيود المفروضة على اللجوء غير المنظم. هذا المسار قد يكون استجابة لضغوط الاتحاد الأوروبي، الذي يسعى منذ 2024 إلى تطبيق آلية توزيع إلزامي للاجئين بين الدول الأعضاء، إضافة إلى رغبة بعض الأحزاب في تحسين صورة الدنمارك الدولية بعد الانتقادات التي تعرضت لها بسبب سياساتها المتشددة.

السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا لكنه يظل قائمًا، يتمثل في انفتاح أكبر على استقبال اللاجئين في حال حدوث أزمة إنسانية واسعة النطاق في الشرق الأوسط، كتوسع الحرب أو انهيار أنظمة سياسية أو تفاقم الكوارث الإنسانية. في مثل هذه الحالات، قد تجد الدنمارك نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في سياستها، سواء استجابة لضغوط دولية أو التزامات قانونية أو حتى تحولات داخلية في الرأي العام. وتشير بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى أن 70% من النازحين في الشرق الأوسط هم من النساء والأطفال، وهو ما قد يخلق تعاطفًا أكبر داخل المجتمع الدنماركي إذا ظهرت صور أو تقارير إنسانية مؤثرة كما حدث في 2015.

وبين هذه السيناريوهات الثلاثة، يبقى العامل الحاسم هو التحالفات السياسية بعد انتخابات 2026، إذ ستحدد طبيعة الحكومة المقبلة — سواء كانت يمينية، أو يسارية، أو ائتلافًا عريضًا — الاتجاه الذي ستسلكه الدنمارك في السنوات القادمة. كما أن التطورات الإقليمية في الشرق الأوسط ستظل عنصرًا مؤثرًا، قد يدفع السياسة الدنماركية نحو مزيد من التشدد أو نحو انفتاح محدود، تبعًا لحجم الأزمة الإنسانية ومدى تأثيرها على أوروبا.

وفي كل الأحوال، يبدو أن سياسة اللجوء في الدنمارك لم تعد مجرد ملف إداري أو قانوني، بل أصبحت جزءًا من النقاش حول الهوية الوطنية، والأمن الداخلي، ودور البلاد في النظام الدولي. وهذا ما يجعل مستقبلها مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتقاطع فيها السياسة الداخلية مع الجغرافيا السياسية العالمية.

الدنمارك بين مفترق الهوية والالتزام الإنساني

في ضوء هذا المشهد المعقد، تبدو الدنمارك وكأنها تقف عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع السياسة الداخلية مع التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتتداخل المخاوف الشعبية مع الالتزامات الدولية، بينما تتنافس الأحزاب على صياغة رواية مقنعة للناخبين حول مستقبل البلاد. فالتوترات الإقليمية لا تُقرأ في كوبنهاغن بوصفها أحداثًا بعيدة، بل كعامل مباشر قد يعيد تشكيل سياسة اللجوء، ويؤثر في توازن القوى داخل البرلمان، ويعيد فتح نقاشات قديمة حول الهوية والأمن والاندماج.

ومع اقتراب انتخابات 2026، يتضح أن ملف اللجوء لم يعد مجرد قضية إدارية أو تقنية، بل أصبح مرآة تعكس اتجاهات المجتمع الدنماركي وتوتراته العميقة. فبين من يرى في التشدد ضرورة لحماية الاستقرار الداخلي، ومن يعتبر أن الالتزام بالقيم الإنسانية جزء لا يتجزأ من مكانة الدنمارك الدولية، تتشكل معركة سياسية ستحدد ملامح السنوات المقبلة. وفي ظل عالم تتسارع فيه الأزمات، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الدنمارك ستغيّر سياستها، بل كيف ستوازن بين واقع جيوسياسي مضطرب ورغبة داخلية في الحفاظ على نموذجها الاجتماعي والسياسي.

إن مستقبل سياسة اللجوء في الدنمارك سيعتمد في النهاية على قدرة صانعي القرار على قراءة التحولات الإقليمية بعمق، وعلى استعداد المجتمع لتحديد أي نوع من الدول يريد أن يكون: دولة منغلقة تحصّن حدودها، أم دولة منفتحة تحاول التوفيق بين الأمن والمسؤولية الإنسانية. وفي كلتا الحالتين، فإن السنوات القادمة ستكشف ما إذا كانت الدنمارك قادرة على صياغة سياسة لجوء تتناسب مع عالم يتغير بسرعة، ومع شرق أوسط لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على أوروبا بأكملها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى