كتاب وشعراء

لطفية الدليمي.. رحيل النخلة السومرية وظلالها الممتدة…بقلم حيدر البرهان

الناعي: اليوم يرحل القلم، وتبقى الحضرة

يا أيها الناعي، تمهل.. إن كنت تنعي جسداً، فاعلم أن الروح لا ترحل، بل تتحول. اليوم، في الثامن من آذار عام 2026، ونحن على أعتاب عيد المرأة، خرج الناعي إلينا بخبر يقطع نياط القلوب: لطفية الدليمي في ذمة الله. رحلت عن دنيانا من عمّان، حيث كانت تقيم، بعد وعكة صحية ألمّت بها الأيام الأخيرة، لتغادرنا تاركةً خلفها مكتبة من الروح، ومشروعاً ثقافياً لن يموت .

كان آخر ما كتبته قبل أيام قليلة، مقالاً في موقع “ضفة ثالثة” في 16 يناير 2026، تتأمل فيه الزمن الجديد: “اللحظة الحاضرة ليست زمناً قصيراً. إنها حالة وعي. هي أن تكون هنا حقاً، بكليتك”. وكأنها كانت تودعنا بهذه الوصية: كونوا هنا، بكليتكم. لا تشتتوا. لا تتفرقوا.

النشأة: من بهرز إلى العالم

وُلدت لطفية الدليمي في السابع من آذار عام 1939 (أو 1943 بحسب بعض المصادر)، في بلدة بهرز بمحافظة ديالى، تلك الأرض التي تختزن في تربتها عبق التاريخ وخرير الأنهار . درست اللغة العربية في جامعة بغداد، ثم شدت الرحال إلى لندن لدراسة اللغة الإنكليزية وآدابها في كلية غولدسمث عام 1978 .

لم تكن تلك الرحلة مجرد تحصيل أكاديمي، بل كانت بحثاً عن جسر يصل بين ضفتين: ضفة المشرق العربي بتراثه العريق، وضفة الآخر الغربي بحداثته ومعارفه. وكأنها كانت تستعد لرسالة ثقافية كبرى، تؤديها عبر العقود التالية بقلم لا يعرف الكلل، وجسر من حبر لا يهتز.

المنابر الثقافية: مؤسسة ومدافعة عن المرأة

في زمن الحصار القاسي، عام 1992، كان الإبداع في العراق يلهث وراء نفس ثقيل. لكن لطفية الدليمي لم تنتظر الظروف المواتية، بل أسست “منتدى المرأة الثقافي” في بغداد، ليكون واحة للكلمة الحرة والنقاش الجاد في زمن كان الصمت فيه هو اللغة السائدة .

ثم توّجت مسيرتها النضالية بتأسيس مركز “شبعاد” لدراسات حرية المرأة عام 2004، لتؤكد للعالم أن المرأة العراقية، وريثة الكاهنات السومريات، لن تتنازل عن صوتها ولا عن حلمها . كانت رئيسة تحرير مجلة “هلا” الثقافية التي صدرت في بغداد عام 2005، وغادرت العراق عام 2006 بعد سنوات من التهديد إلى الأردن ثم فرنسا، لتستقر أخيراً في عمّان، لكن بغداد بقيت تسكنها .

المشروع الروائي: استكشاف “الإمكانات الخبيئة” للإنسان

من الصعب حصر لطفية الدليمي في إطار روائي تقليدي. هي تكتب الرواية، لكنها في الحقيقة تبني عوالم موازية. من أبرز رواياتها:

· “سيدات زحل” (2009): التي صدرت لها طبعة ثالثة عام 2014، واستل منها كتاب كوميكس بالإسبانية بعنوان “بيت البابلي” .
· “ضحكة اليورانيوم” (2000)
· “عالم النساء الوحيدات” (1986) التي ترجمت إلى اللغة الصينية .
· “مشروع أومّا” (2021)
· “عُشّاق وفونوغراف وأزمنة” (2016)

لا تروي في هذه الأعمال حكايات عادية، بل تغوص في أعماق النفس البشرية، وتستكشف ما أسمته “الإمكانات الفردية الخبيئة”. كان لديها يقين بأن الرواية في القرن الحادي والعشرين ستكون “الحاضنة المعرفية” للأجيال القادمة، وأنها قادرة على استيعاب الفلسفة والعلم والفن، لتعيد التوازن بين العقل التحليلي والروح الإنسانية.

المترجمة البارعة: الحب بلغة الآخر

أما في الترجمة، فقد كانت الدليمي فنانة من طراز نادر. وصفت الترجمة بأنها “عمل يشبه علاقة الحب”، حيث يتحاور الكاتب والمترجم والنص ليخرجوا بأجمل صيغة ممكنة. من ترجماتها الخالدة:

· “بلاد الثلوج” لياسوناري كواباتا (1985)
· “ضوء نهار مشرق” لأنيتا ديساي (1989)
· “من يوميات أناييس نن” (1999)
· “حلمُ غايةٍ ما” للسيرة الذاتية للفيلسوف كولن ويلسون (2015)
· “فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة” (2016)
· “قوة الكلمات” (2017)
· “نزهة فلسفيّة في غابة الأدب” لحوارية آيريس مردوخ (2018)
· “الروايات التي أحب” (2018)

كما أثرت المكتبة العربية بمؤلفاتها النقدية الجامعة، مثل “مملكة الروائيين العظام” (2018)، و “عصيان الوصايا” (2019)، و “كاليدوسكوب” (2021)، و “كراساتي الباريسية” (2023) .

الطقس السومري: لقاء سنوي مع الخلود

كانت لطفية الدليمي تملك طقساً سنوياً عجيباً، تحرص عليه منذ أربعة عقود: قراءة “ملحمة كلكامش” مع مطلع كل عام جديد . إنها ليست مجرد قراءة، بل طقس وجودي تعيد من خلاله الاتصال بجذورها السومرية، وتستلهم من رحلة البحث عن الخلود عزاءً للروح في زمن الفقد والمنفى.

وهي التي كتبت مسرحية “الليالي السومرية” التي نالت جائزة أفضل نص يستلهم التراث السومري، بقراءة مغايرة لملحمة كلكامش، وكتبت “شبح كلكامش” و”قمر أور” . وكتبت سيناريو “صدى حضارة” عن الموسيقى في الحضارة الرافدينية، ومسلسلاً تاريخياً عن الحضارة البابلية بـ 30 ساعة .

الإرث النقدي والفكري

لم تكن لطفية الدليمي روائية فقط، بل كانت مفكرة عميقة، تاركةً وراءها دراسات لا تقل أهمية عن إبداعها الروائي:

· “شريكات المصير الأبدي” (1999): دراسة عن المرأة المبدعة في حضارات العراق القديمة .
· “جدل الأنوثة في الأسطورة – نفي الأنثى من الذاكرة”
· “دراسات في مشكلات الثقافة العراقية الراهنة”
· “اللغة متن السجال العنيف بين النساء والرجال – لغة للنساء في سومر القديمة”
· “صورة المرأة العربية في الاعلام المعاصر”

حازت على جوائز عديدة، منها جائزة القصة العراقية عام 2004 عن مجموعتها “موسيقى صوفية”، وجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عام 2016 عن كتابها “مدني وأهوائي” . وكُتبت عنها رسائل دكتوراه وأطاريح ماجستير في جامعات عراقية وعربية وعالمية .

الرثاء: نخلة لا تنحني

الآن، وقد رحلت الجسد، تبقى لطفية الدليمي حاضرة كما لم تكن من قبل. تبقى في كل رواية قرأناها، وفي كل ترجمة أضاءت لنا عوالم الآخرين، وفي كل مقالة علمتنا فيها أن الكتابة وطن لا يمكن احتلاله.

كانت تقول: “مع الحب كل شيء ممكن، لأنه لا شيء ممكن قدر المعاصي الجميلة”. ورحلت في اليوم الذي يلي عيد ميلادها بيوم واحد، وفي اليوم الذي تسبق فيه الدنيا عيد المرأة. وكأنها أرادت أن تقول: المرأة التي كرست حياتها للدفاع عن حرية المرأة، تستحق أن ترحل في هذا التوقيت الرمزي.

سلام على روحك يا ابنة ديالى. سلام على قلمك الذي جعل من الأدب ملاذاً للروح ومن الكلمة سيفاً للضوء. سلام على جهدك في منتدى المرأة الثقافي، وفي مركز شبعاد، وفي كل ندوة ومؤتمر شاركت فيه من تونس إلى إسبانيا، ومن المغرب إلى ألمانيا .

الخاتمة: لا نقول وداعاً

لا نقول وداعاً يا لطفية، فنحن لا نودع من ترك لنا كل هذا العمر من الحبر. نقول فقط: إلى اللقاء، في كل مرة نفتح فيها كتاباً من كتبك. في كل مرة نقرأ فيها “سيدات زحل” أو “ضحكة اليورانيوم” أو “عالم النساء الوحيدات”. في كل مرة نترجم فيها كلمة، فنذكر أن الترجمة علاقة حب، كما علمتينا.

في يوم رحيلك، تشرق الشمس ولا تخفت. لأن من يكتبون بحبر الروح، لا تغيب شمسهم أبداً.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى