ميخائيل عوض يكتب : إيران تنجز استحقاقها الدستوري وتنتخب مرشدها تحت النار ..في ليلة القدر أطل البدر .!!!

إيران تنجز استحقاقها الدستوري وتنتخب مرشدها تحت النار .. في ليلة القدر أطل البدر !!
ميخائيل عوض / لبنان
تشهد المنطقةفي لحظات تاريخية مفصلية حروباً لا تقتصر آثارها على حدود الجغرافيا العسكرية، بل تمتد لتعيد تشكيل بنية النظام الإقليمي و الدولي. وفي سياق هذه الحرب يبرز اليوم العاشر من الحرب بوصفه لحظة مفصلية في فهم مسار الصراع.
ففي هذا التوقيت الحساس، أعلنت المؤسسات الدستورية الإيرانية انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية خلفاً لوالده علي خامنئي. وقد حمل هذا التطور دلالات سياسية واستراتيجية عميقة تتجاوز مسألة انتقال القيادة إلى مسألة صمود النظام السياسي الإيراني نفسه في ظل الحرب.
وفي الأبعاد الاستراتيجية لهذا الحدث،و انعكاساته على ميزان القوى الإقليمي، وعلى أهداف الحرب التي أعلنتها إسرائيل والولايات المتحدة، وعلى مستقبل الصراع في الشرق الأوسط.
*أولاً: إعلان المرشد مفاجأة استراتيجية ونجاح لصمود النظام*
يكتسب إعلان انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى أهمية خاصة لسببين رئيسيين.
1. استمرارية المؤسسات الدستورية
إن إجراء استحقاق قيادي بهذا الحجم خلال حرب كبرى يدل على أن الدولة الإيرانية ما زالت قادرة على تشغيل مؤسساتها الأساسية دون انهيار. فعملية اختيار المرشد الأعلى تتم عبر مجلس الخبراء، وهو مؤسسة دينية ـ دستورية تتمتع بشرعية داخل النظام السياسي الإيراني.
إن نجاح هذه العملية في ظل ظروف الحرب يعكس قدرة النظام على إدارة انتقال السلطة في بيئة ضغط عسكري وأمني شديد، وهو ما يشكل مؤشراً على متانة البنية المؤسسية للدولة.
إن تثبيت النظام تحت النار
إجراء استحقاق دستوري كبير أثناء الحرب يعني أن الدولة الإيرانية تعمل بكامل مؤسساتها
وأن النظام لم يتعرض لانهيار أو شلل وهذا عكس الرهان الإسرائيلي والأميركي الذي كان يقوم على اغتيال القيادات، تفكيك النظام،خلق فراغ سياسي تملؤه أمريكا بالصبيان من الحكام تحت إمرتها.
2. إعادة إنتاج الشرعية الثورية
يمثل انتخاب قيادة جديدة أيضاً محاولة لإعادة تجديد الشرعية السياسية للنظام. فالأنظمة الثورية غالباً ما تواجه تحدي الشيخوخة السياسية بعد عقود من قيامها. لكن انتقال القيادة إلى جيل جديد قد يسمح بإعادة إنتاج خطاب الثورة وإعادة تعبئة القاعدة الاجتماعية الداعمة لها. وبالتالي انتخاب الخامنئي الشاب هو ضخ دماء جديد في روح جمهورية الثورة ما يعني أنها تقف شابة في الوقت الذي تعيش فيها أمريكا وإسرائيل حالة شيخوخة واستنفاذ لفرص الحياة.
في هذا السياق إن إيران الثورة جاءت من خارج النص والسياق لنظريات الحكم والسياسة ولا يمكن مقارنة التجربة الإيرانية مع نماذج أخرى بل من الخطأ الوقوع في هذا الموقف التحليلي.
إن اختيار إيران لمرشدها هو شأن داخلي وفعل ديمقراطي لا يحق لأي مراقب أو متابع انتقاده فهذا خيار الشعب والأصل احترامه. كما يرفض الكيل بمكيال واحد في مسألة التوريث والحكم بالمطلق أنها تؤدي لانهيار المنظومات والدول بل يقول أن التاريخ والواقع حافل بأمثلة لتجارب تثبت العكس مثل انتقال السلطة في كوريا الشمالية إلى كيم جونغ أون، أو انتقال القيادة في كوبا إلى راؤول كاسترو بعد مرحلة فيديل كاسترو جميعها لم تسقط هذه الدول، بالمقابل انتقال الحكم في مصر من زعيم القومية العربية جمال عبد الناصر إلى السادات أدى إلى إسقاط مشروع القومية والتفريط بالقضية الفلسطينية والتحول نحو التطبيع والسلام والاستسلام للإسرائيلي.
*ثانيًا: التقدير الاستراتيجي لدى الولايات المتحدة وإسرائيل*
إن الاستراتيجية الإسرائيلية ـ الأميركية التي اعتمدت على فرضية أن النظام الإيراني هش ويمكن إسقاطه عبر استهداف قياداته العليا. غير أن التطورات تشير إلى أن هذا التقدير يعكس فشلا في فهم العقل الإيراني.
فالأنظمة ذات الطابع الأيديولوجي الثوري غالباً ما تمتلك قدرة أعلى على الصمود مقارنة بالأنظمة التقليدية.
إن إسقاط أمريكا وإسرائيل نماذج تاريخية خاطئة على إيران اعتمدت فيها قتل القادة يؤدي إلى سقوط النظام كما حدث في العراق بعد سقوط
صدام حسين،ليبيا بعد سقوط
معمر القذافي، تجربة فنزويلا وسوريا
إن إيران ليست دولة تقليدية بل نظام عقائدي ثوري تمتلك بنية تنظيمية متعددة المستويات و خطاب عقائدي يمنح الصراع بعداً وجودياً. والأهم وجود مؤسسات ثورية موازية للدولة التقليدية، مثل الحرس الثوري.
إن اغتيال القادة في مثل هذه الأنظمة يؤدي إلى نتيجة معاكسة، تتمثل في تعزيز التماسك الداخلي بدلاً من تفكيكه.
*ثالثًا: تحولات ميزان القوى في الحرب… أمريكا وإسرائيل معزولتان دوليا”*
إن الحرب كشفت عزلة استراتيجية للمعسكر الغربي حيث تشير المعطيات الميدانية والسياسية في الأيام الأولى للحرب إلى عدة تحولات مهمة.
1. *محدودية التحالف العسكري ضد إيران*
رغم التوقعات بحدوث تحالف إقليمي واسع، لم تنضم إلى الحرب دول رئيسية في المنطقة مثل: السعودية،تركيا، باكستان
كما لم يعلن حلف شمال الأطلسي تدخلاً مباشراً في الحرب.
هذا الوضع يجعل أمريكا مكبلة في خياراتها باستمرار الحرب ويضعف قدرتها على الحسم والتحكم بمسارات تصعيد الحرب
2. *التباين بين واشنطن وتل أبيب*
تظهر المؤشرات على وجود تباين في الحسابات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فالولايات المتحدة قد تكون أكثر حذراً من توسيع الحرب بسبب المخاطر الاقتصادية العالمية، خصوصاً إذا تعرضت طرق الطاقة للخطر، مثل مضيق هرمز. وهذا ما ظهر من انزعاج الإدارة الأمريكية من استهداف نتنياهو للبنى التحتية النفطية في إيران والذي ينذر بكارثة اقتصادية عالمية تشكل كابوس ترامب وشبحه في هذه الحرب.
في المقابل تخوض إسرائيل من دون خطوط حمراء وبتوحش من يعرف ان أيامه العادية المتبقية صارت معدودة وشارفت على النهاية.
هذا التباين وفق تصور قد يدفع بترامب وسيدفعه قريبا إلى إعلان نصر وهمي ونهاية الحرب مع إيران لتبقى إسرائيل وحدها في مواجهة آلة عسكرية جبارة لا يمكنها أن تنتصر عليها.
*رابعًا: فشل الرهانات الإقليمية*
إن الرهانات التي بنيت عليها الحرب لم تتحقق:
1. عدم تفكك إيران داخلياً
لم تحدث انتفاضات واسعة.
2. عدم انضمام دول المنطقة للحرب وعدم انجرار الأطلسي للتدخل المباشر
3. عدم انهيار محور المقاومة
بل على العكس تصاعدت التعبئة السياسية والعسكرية.
وهذا ما يجعل من هذه المواجهة حرب نهاية النفوذ الأنغلوسكسوني برمته من الشرق الأوسط.
*خامسًا: إنجاز ترامب في الحرب الخامنئي عاد شابا”*
فحالة الهيستريا التي سيطرت على المشهد السياسي والإعلامي الأمريكي خاصة بإعلان مجتبى خامنئي مرشدا” لإيران وهو ما وصفته قناة CNN بالقول ” إنجاز ترامب في الحرب الخامنئي عاد شابا ”
وهنا فإن القراءة في شخصية القائد الثالث الذي يرى أنه يمثل امتداداً مباشراً لمدرسة الثورة الإسلامية التي أسسها الخميني وكرّسها لاحقاً والده علي خامنئي. فالرجل لم يتكوّن فقط داخل البيئة الدينية التقليدية للحوزة، بل تشكل وعيه السياسي والعقائدي داخل بنية الثورة ذاتها، وفي قلب المؤسسات التي حملت مشروعها الإقليمي.
لقد نشأ مجتبى خامنئي في ظل مرحلة تاريخية اتسمت بالصراع المفتوح بين الجمهورية الإسلامية وخصومها الإقليميين والدوليين، وهو ما جعله أقرب إلى نموذج القيادي الثوري الذي تشكل وعيه في سياق المواجهة المستمرة. إضافة إلى علاقته الوثيقة بمؤسسات القوة داخل النظام، وخاصة الحرس الثوري، ما منحه موقعاً خاصاً داخل البنية السياسية والأمنية للدولة.
كما يرتبط اسمه بشبكة العلاقات التي تشكلت خلال مرحلة توسع النفوذ الإيراني في الإقليم، ولا سيما مع القيادات العسكرية التي لعبت دوراً محورياً في هذا المسار، وفي مقدمتها قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الذي أسهم في بناء منظومة التحالفات الإقليمية المرتبطة بإيران.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى مجتبى خامنئي بوصفه أحد أبناء المدرسة السياسية التي جمعت بين الفكر العقائدي للثورة الإسلامية ومشروعها الجيوسياسي في المنطقة. ومن هنا فإن صعوده إلى موقع القيادة لا يُقرأ فقط باعتباره انتقالاً للسلطة، بل باعتباره استمراراً لمسار فكري وسياسي بدأ مع الثورة الإيرانية، وتطور لاحقاً في ظل قيادة علي خامنئي، وتعزز عبر التجارب الميدانية التي خاضتها إيران وحلفاؤها في الإقليم خلال العقود الماضية.
في ضوء المعطيات التي أفرزتها الأيام الأولى من الحرب، ولا سيما التطورات المرتبطة بانتقال القيادة في إيران، يمكن القول إن الصراع الدائر يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة ليعكس لحظة تاريخية لإعادة اختبار بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فالحروب الكبرى في التاريخ لا تُقاس فقط بنتائج المعارك أو بحجم الخسائر العسكرية، بل بقدرتها على كشف توازنات القوة الكامنة، وحدود النفوذ، ومرونة الأنظمة السياسية تحت الضغط.
إن الإعلان عن انتقال القيادة داخل النظام الإيراني خلال ذروة الحرب شكّل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الحفاظ على استمرارية مؤسساتها، كما كشف في الوقت نفسه عن طبيعة النظام السياسي الذي نشأ بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979 بقيادة الخميني، وهو نظام يجمع بين الشرعية الدينية والبنية المؤسسية الحديثة. وفي هذا السياق، فإن انتخاب مجتبى خامنئي خلفاً لوالده علي خامنئي يمثل أكثر من مجرد انتقال شخصي للسلطة؛ بل يشير إلى قدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه في لحظة تهديد وجودي.
في المقابل، تكشف مجريات الحرب عن تعقيد الحسابات الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل. فبينما سعت إدارة دونالد ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو إلى توجيه ضربة حاسمة للنظام الإيراني، تشير المؤشرات إلى أن تحقيق هذا الهدف يواجه تحديات بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة الإيرانية، وبالبيئة الجيوسياسية المحيطة بها، وبحذر القوى الإقليمية من الانخراط في حرب واسعة قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
من منظور أوسع، تعكس هذه الحرب بداية مرحلة جديدة من إعادة التوازن في الشرق الأوسط والإقليم والعالم، حيث لم تعد القدرة على فرض الإرادة العسكرية وحدها كافية لإعادة تشكيل الأنظمة أو رسم خرائط النفوذ. فتعقيد شبكة المصالح الإقليمية والدولية، وارتباط أمن الطاقة العالمي بممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، إضافة إلى التحولات الجارية في النظام الدولي مع صعود قوى مثل الصين وروسيا، كلها عوامل تجعل أي مواجهة كبرى في المنطقة ذات آثار تتجاوز حدودها الجغرافية.
وعليه، فإن الحرب الحالية قد لا تنتهي بانتصار عسكري تقليدي لطرف على آخر، بل قد تفضي إلى إعادة تعريف قواعد الصراع والتوازن في الإقليم. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، سيولد عالم جديد من رحم هذه المواجهة، تعيد فيه القوى الفاعلة رسم حدود نفوذها في عالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية أكثر تعقيداً.
🖋 ميخائيل عوض