رؤي ومقالات

اسماعيل النجار يكتب : حين تخطىء الامبراطوريات الحساب تعرف كيف سقطت هيبة القوة الأميركية أمام صواريخ إيران الباليستية ..!!

حين تُخطئ الإمبراطوريات الحساب، تعرف كيف سقطت هيبة القوة الأميركية أمام صواريخ إيران البالستية،

اسماعيل النجار / بيروت

*لم يكن ما جرى في منطقة الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كان لحظة مفصلية كشفت حدود القوة الأميركية وأعادت رسم معادلات الردع في المنطقة. فالدولة التي تمتلك أكبر ترسانة عسكرية في التاريخ الحديث، والتي تنتشر قواعدها وأساطيلها في البحار والمحيطات، وجدت نفسها أمام حقيقة صادمة؟.. التفوق التكنولوجي لا يعني بالضرورة القدرة على كسر إرادة الخصم.
الولايات المتحدة، التي اعتادت فرض إرادتها العسكرية من أفغانستان إلى العراق وفنزويلآ، دخلت مواجهة مفتوحة مع الجمهورية الإسلامية في إيران وهي تعتقد أن الضربة الأولى خصوصاً إذا استهدفت القيادة السياسية أو الدينية العليا وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي ستكون كافية لإرباك الدولة الإيرانية ودفعها إلى الانهيار أو التراجع. لكن ما حدث كان العكس تماماً.
*بدلاً من انهيار النظام إختارت طهران مرشد بديل أصغر سناً وأشد صرامه من سلفه والده، وانفجرت المنطقة بردٍ صاروخي غير مسبوق.مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة انطلقت نحو القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا. لم تكن تلك الضربات عشوائية، بل جاءت وفق تكتيكات عسكرية محسوبة بعناية توزيع منصات الإطلاق وتنويع المسارات، واختيار أهداف حساسة لوجستياً وعسكرياً.
*وهكذا وجدت واشنطن نفسها أمام حرب من نوع مختلف؛ حرب لا تُحسم بالطائرات الشبحية ولا بمنظومات الرادار العملاقة، بل بقدرة الخصم على الصمود وإغراق الدفاعات الصاروخية بوابل مستمر من النيران.
*في هذه اللحظة بالتحديد بدأت صورة القوة الأميركية تتصدع. فالقواعد التي كانت تشكل عماد الانتشار العسكري الأميركي في الشرق الأوسط تحولت إلى أهداف مباشرة بعضها أصبح رماد وحطام! والجنود الذين كانوا يتمتعون بحماية أعقد منظومات الدفاع الجوي وجدوا أنفسهم تحت ضغط صاروخي متواصل فتشردوا في الفنادق الفخمة.
*أما إسرائيل، التي راهنت تاريخياً على التفوق العسكري والتكنولوجي، فقد دخلت بدورها في قلب العاصفة. فمع اشتعال جبهة لبنان وعودة حزب الله إلى فرض قواعد اشتباك صارمة، تحولت الأراضي المحتلة إلى ساحة إنذار دائم وصافرات لا تهدأ، فيما أصبحت البنية التحتية الإسرائيلية تحت تهديد صاروخي مستمر.
لقد ظنّت واشنطن وتل أبيب أن اغتيال القيادة الإيرانية أو ضرب رأس النظام سيُحدث صدمة تشل الدولة وتفتح الطريق أمام إسقاطها. لكن ما جرى كشف خطأً استراتيجياً فادحاً في تقدير طبيعة النظام الإيراني، الذي بُني منذ الثورة على عقيدة الصمود والرد غير المتكافئ. وما زاد المشهد تعقيداً أن إيران لم تعتمد فقط على قوتها الصاروخية، بل لوّحت أيضاً بأخطر أوراقها الجيوسياسية الممرات البحرية العالمية وفعلتها بإغلاق مضيق هرمز. فإغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يعني عملياً خنق جزء كبير من صادرات النفط العالمية، بينما يشكل اضطراب الملاحة في مضيق باب المندب تهديداً مباشراً لشريان التجارة بين آسيا وأوروبا.
*في لحظة واحدة، لم تعد الحرب محصورة في الصواريخ والطائرات، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي. ارتفعت أسعار الطاقة، ارتبكت الأسواق، وبدأت الشركات الدولية تحسب خسائرها بالمليارات. العالم كله شعر بارتدادات الحرب، وليس فقط الأطراف المتقاتلة.
*أما الدول العربية في محيط الخليج، فقد وقفت أمام مشهد لم تعهده من قبل. فالقوة التي كانت تُقدَّم كضامن مطلق للأمن الإقليمي بدت عاجزة عن منع التصعيد أو احتواء تداعياته. وهنا بدأ السؤال الكبير يفرض نفسه: هل ما زالت الولايات المتحدة قادرة على فرض هيمنتها العسكرية في الشرق الأوسط كما كانت تفعل في العقود الماضية؟
*ما كشفته هذه المواجهة أن عصر الحروب الأحادية قد انتهى. فالدول التي طورت قدراتها الصاروخية غير التقليدية باتت قادرة على فرض معادلات ردع جديدة، حتى في مواجهة قوى عظمى.
*إنها لحظة تاريخية قاسية بالنسبة لواشنطن، لأنها تعني ببساطة أن حسابات القوة القديمة لم تعد صالحة. وأن الشرق الأوسط الذي اعتادت الإمبراطوريات رسم خرائطه بالقوة، أصبح اليوم ساحة توازنات معقدة لا يمكن التحكم بها بضربة عسكرية واحدة.
*لقد ظنّت الولايات المتحدة أنها نصبت فخاً لإيران عندما فتحت باب المواجهة المباشرة. لكن المفارقة الكبرى أن الفخ ارتدّ على صاحبه، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها الواضح توازن الردع لا التفوق المطلق.

بيروت في،، 13/3/2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى