رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : الحرب في الخطوط الخلفية

ــــــــ في الحرب، يُقال لنا دائماً من انتصر لكن من يخبرنا بحقيقة ما خسرناه؟* أريك ماريا ريمارك مؤلف رواية: للحب وقت وللموت وقت.
عاد جاري الجندي النرويجي من مهمة قوات الامم المتحدة اليونيفيل في جنوب لبنان يعاني من متاعب نفسية في مهمة لم تستغرق بضعة شهور.
قُدمت له كل اشكال الرعاية الصحية وكذلك التضامن الاجتماعي وتذكرت كيف يعود جنودنا من حرب ـــــــــــــ اذا عادوا ـــــــــ من الحرب في مجتمع يطاردهم بمعارات عن الجنون والمرض النفسي في حين تنظر هذه الشعوب للمرض النفسي على انه اجهاد او عنف وجودي في مواجهة موت او حتى كسر في اليد مثل أي مشكلة صحية طارئة بلا ردح ولا معارات.
اذا عاد الجنود في مجتمعنا من الحرب، يجدون حرباً أخرى ، أو ما يعرف بالجرح الثالث أو النظرة الاجتماعية بعد الجرح الجسدي الأول وجرح صدمة الحرب الثاني .
كان محظوظاً أن أكون جاره لأنني خبير في الحروب بعد حربين لمدة 15 سنة: سبع سنوات في الجبال والثانية حوالي ثماني سنوات في حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران.
النظرة في مجتمعنا للجندي العائد من الحرب توصف بالاغتيال المعنوي لأنه يجد معركة أخرى غير متوقعة تدار بأسلحة غير مرئية ووصم غريب لكن ما شاهدته من رعاية للجندي النرويجي من الدولة ومن المجتمع كان ثقافة والفارق بين عقليتين وثقافتين وليس بين جنديين.
مؤكد من خلال سرده انه لم يتعرض لمشكلة كبيرة عدا انفجار قنبلة وجرح جندي من قوات الطوارئ لكن لا يمكن استعمال معاييرنا السطحية في الشجاعة ومقارنة مع تجربتي لأن الفجوة هائلة بيننا. تجربته في جنوب لبنان بالنسبة لي نزهة مقارنة بما عشته، لكن هذا ليس قياساً صحيحاً ومنصفاً.
الجندي النرويجي ذهب في مهمة الى ساحة حرب من مجتمع هادئ وحياة مرفهة وطفولة سعيدة ومجتمع متماسك ونظام ديمقراطي، ووجد عالماً مختلفاً عنيفاً لم يكن مستعداً له.
أما الجندي العراقي فيذهب الى الحرب إما من بيئة فقيرة أو من اليتم أو القسوة وتعايش مع الألم والفقدان ومن نظام دكتاتوري وعاد الى مجتمع يطالبه بالنسيان كما لو انه ارتكب خطأ عندما رأى بشاعة الحرب التي تخلخل كل الثوابت. النسيان ليس فعل إرادة.
عاد الجندي النرويجي الى مجتمع آمن مع كل الضمانات وتحول الى استثمار لكي يلقي يوما دروساً للطلاب والفتيان عن تجربة الحرب بينما يتحول جنودنا الى عبء اجتماعي ثقيل وكثيرون منهم وجدوا تغييرات صادمة في الأسرة ولم تعد الروابط القديمة موجودة كما لو انه عاد من خطوط أمامية الى خطوط حرب خلفية لكنها هذه المرة تدور في أعماقه بصمت. قصص الجنود الذين عادوا من الأسر صادمة.
انها عقلية القوة المزيفة التي تمجد الموت والجرح بلا ألم ولا توجع . عيب على الرجال أن تتألم وهذه الذهنية تحتاج لوحدها الى علاج في اعادة صياغة المفاهيم في ان جرح الحرب لا يختلف عن أي جرح للذات البشرية.
انهيار يقينيات وقناعات وسقوط أقنعة. الجندي العائد من الحرب وهو يحمل صدمة لكنه يحمل قناعات مختلفة في أن الانسان ليس كما تراه بل خلف القناع مخلوق غرائزي آخر لا يفكر لأن الحرب تفرض غريزة البقاء فقط.
مرة قال لي صديق جندي عاد من الحرب بلا جرح جسدي فلم يجد تلك الحياة التي عرفها:
” إن أقسى أنواع الخذلان هو أن تنجو من خنادق الموت، لتغرق في كلمات معارات الشوارع “.
الحرب لا تنتهي بوقف إطلاق النار بل تبدأ حرب سرية أخرى في ذاكرة الناجين من الحرب وحتى بين العزل غير المحاربين قرب خطوط القتال. خلال الحرب يكون العقل في حالة طوارئ وجمود عاطقي وتحسب مع مشاعر جامدة لكن عند العودة يعود العقل لمراجعة تلك الحسابات والمشاهد .
في نشرات الاخبار يحسبون الخسائر في الاسلحة والمباني والارواح لكن لا احد يحصي الخسائر السرية كاليتم والترمل والفقدان وانهيار يقينيات وقناعات وثوابت ونهاية مواعيد واحلام مؤجلة وحوارات مبتورة لم تكتمل ورسائل لم تصل الا مع توابيت وصور عائلية في جيوب الجنود القتلى وضوء النوافذ الازرق من نافذة قطار في الليل.
شاهدت كيف تم مساعدة الجندي النرويجي في عبور الصدمة لكني تذكرت كيف يرمى الجندي عندنا في الزحام ويتظاهر بالتماسك في حرب استنزاف تستهلك ما تبقى له من طاقة. النصر في الحرب في كيف تبقى إنساناً في روح لم تُحتل والانتصار الاكبر عندما تروي ما عشته وترتفع فوق انقاض ونيران تلك التجربة الوجودية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى