
الحروب الكبرى لا تغير خرائط القوة فقط، بل تفتح أيضا فراغات استراتيجية تسعى قوى متعددة إلى ملئها.
من وجهة نظر الأمن الإقليمى، قد لا يكون الأثر الاستراتيجى الأول للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران هو حجم الضرر العسكرى الذى لحق بالقدرات الإيرانية، ولكن نشوء فراغ استراتيجى فى بنية الأمن الإقليمى فى الشرق الأوسط فى أعقابها.
فالحروب الكبرى فى هذه المنطقة نادرا ما تنتج نظاما واضحا ومستقرا. ولكن ما يحدث غالبا هو أنها تكسر التوازن القائم دون أن تنجح فورا فى بناء توازن جديد. وتكون النتيجة ظهور لحظة من الضباب وعدم اليقين، تحاول خلالها أطراف متعددة فرض تصوراتها الخاصة للنظام الإقليمى اللاحق للحرب وفقا لمصالح هذه الأطراف.
ويبدو أن الحرب الجارية تنشئ مثل هذه اللحظة.
فعلى مدى أكثر من عقدين، قام التوازن الإقليمى على معادلة متوترة بين أربع قوى رئيسية: إسرائيل بوصفها القوة الأولى الراغبة فى مراجِعة للأوضاع فى المنطقة (أى التى تريد تغيير التوازن القائم، لمصلحتها) والفاعل العسكرى الأكثر تأثيرا وتفوقا تكنولوجيا (مع دعم أمريكى وغربى كامل)، وإيران بوصفها أيضا القوة الأخرى المراجِعة للأوضاع فى الإقليم ولكن فى الاتجاه المعاكس، والولايات المتحدة بوصفها “المدير الخارجى” للنظام الأمنى الإقليمى والتى تحاول الحفاظ على استقراره مع انحيازها لصالح إسرائيل، والدول العربية -لاسيما الخليجية- التى وجدت نفسها عالقة بين مظلة أمنية أمريكية أثبتت محدوديتها، ومحاولات التكيف مع الجار الإيرانى التى أثبتت بدورها عدم كفايتها.
تهز الحرب الجارية هذه المعادلة. فهى تضعف أحد أركانها لصالح احد اركانها الأخرى وعلى حساب سائر الأطراف الأخرى، ولكن دون أن تؤسس بعد لتوازن جديد بين بقية الأطراف. ولن يترتب على هذه الحرب أى استقرار فورى ومباشر، بل انفتاح مساحة جيوسياسية سيحاول فاعلون مختلفون ملأها. وهذا هو جوهر ما يطلق عليه “الفراغ الاستراتيجى.”
لا يعنى الفراغ الاستراتيجى اختفاء القوة -الإيرانية، فى هذه الحالة- ولكن المقصود أن بنية الردع والتأثير القائمة تنهار بسرعة أكبر كثيرا من قدرة الأطراف الإقليمية الأخرى على بناء بنية جديدة بديلة.
من وجهة نظر الأمن الإقليمى، السؤال الأساسى الذى سيطرح نفسه هو من الفاعل -الإقليمى أو الدولى- الذى سيحدد شكل وتوازنات النظام الإقليمى الذى سيترتب على هذه الحرب بعد انتهائها.
وهنا، كشفت الحرب عن عنصر مهم يزيد من تعقيد الصورة المعقدة
فقد أظهرت إيران قدرا ملحوظا من القدرة على الصمود رغم تعرضها لضغوط عسكرية طائلة وخسائر جسيمة. فبرغم الضربات التى استهدفت قياداتها وبنيتها التحتية العسكرية، وبرغم العمليات العسكرية المكثفة ضدها، لم ينهَر النظام الإيرانى (حتى الآن)، وما زالت قدرته على فرض تكاليف كبيرة على خصومه قائمة. فمن خلال إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة وتعطيل الملاحة البحرية، أثبتت طهران أنها قادرة -حتى تحت هذا الضغط الشديد- على التأثير الملحوظ فى البيئة الاستراتيجية الإقليمية.
وتكتسب هذه القدرة على الصمود -حتى لو تراجعت كثيرا- أهمية خاصة. فالفراغات الاستراتيجية نادرا ما تنشأ نتيجة الاختفاء الكامل لقوة ما. بل عندما تضعف هذه القوة ولكنها تظل قادرة على التأثير فى مسار الأحداث. وقد تنتقل إيران، فى مثل هذه الحالة، من استراتيجية التوسع الإقليمى إلى استراتيجية تعطيل البيئة الإقليمية وفرض كلفة على الأطراف الذين تعتبرهم خصوما لها.
كما كشفت الحرب أيضا عن نقاط ضعف فى الجانب الآخر الرئيسى من المعادلة الإقليمية.
فقد دخلت إسرائيل هذه المواجهة وهى تتمتع بتفوق عسكرى وتكنولوجى كبير. غير أن مسار الحرب أظهر أن هذا التفوق لا يعنى حصانة استراتيجية كاملة. فقد أجبرت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة المتواصلة إسرائيل على الاعتماد بكثافة على منظومات دفاع جوى متعددة الطبقات، كما أظهرت كثافة الردود الإيرانية واستمرارها (حتى الآن) أنه حتى القوى العسكرية المتقدمة للغاية لا تستطيع أن تحمى نفسها بالكامل من أخطار حرب الصواريخ الحديثة.
لا تنفى هذه التطورات التفوق العسكرى والاستخبارى الإسرائيلى. لكنها تذكّر الفاعلين الإقليميين بأن التفوق فى التكنولوجيا والعمل السرى لا يعنى غياب الهشاشة، وأن الحصار الأمريكى والغربى لا يلغى إمكانية تطوير أسلحة تصيب بخسائر وأضرار كبيرة، وذلك فى بيئة أصبحت فيها الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والقدرات السيبرانية أدوات متاحة لعدد متزايد من الدول والفاعلين.
هذا الانكشاف المتبادل -مع فارق الإمكانيات الكبير- يعزز الانطباع بأن الحرب -التى لم تضع أوزاها بعد- لم تُنضِج بعد شكل النظام الإقليمى الذى سيعقبها، بل إنها كشفت عن تناقضات كبيرة وفتحت مرحلة من الضباب وعدم اليقين الاستراتيجى.