رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :حين تتغير الحروب… تتغير الجيوش

لماذا تفضل دول الخليج الاستثمار في "الخوارزمية" بدلاً من "الكتيبة"؟


كثيرون قرأوا الرفض الخليجي لفكرة تشكيل قوة عربية مشتركة باعتباره مجرد تباين سياسي داخل النظام العربي. لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن المسألة قد تكون مرتبطة بفهم مختلف لطبيعة الحروب في القرن الحادي والعشرين.
ففكرة “القوة العربية المشتركة” وُلدت في زمن كانت فيه الجيوش التقليدية هي الأداة الأساسية للحرب: جيوش نظامية ضخمة، حشود عسكرية، ومعارك يمكن رسم خطوطها بوضوح على الخرائط. لكن العالم تغير بسرعة خلال العقدين الأخيرين.
الحروب الحديثة لم تعد تعتمد على الحشود العسكرية بقدر ما تعتمد على التكنولوجيا والشبكات والقدرة على الضرب من مسافات بعيدة. الطائرات المسيّرة، الصواريخ الدقيقة، الحرب السيبرانية، والأنظمة الذكية أصبحت أدوات حاسمة في موازين القوة.
وفي هذا السياق تحديداً تبدو فكرة تشكيل جيوش تقليدية ضخمة أقل جاذبية للدول التي تدرك أن الحرب القادمة قد لا تُخاض بالدبابات بقدر ما تُخاض بالخوارزميات وأنظمة الاستشعار.
كما أن هناك حقيقة استراتيجية أخرى لا يمكن تجاهلها:
الدولة التي تعتمد بشكل كامل تقريباً على استيراد سلاحها – شرقاً أو غرباً – تبقى في نهاية المطاف رهينة لقيود التكنولوجيا التي يفرضها المورّدون، سواء كانت قيوداً تشغيلية أو سياسية.
لهذا اتجهت بعض الدول الخليجية إلى بناء مقاربة أمنية مختلفة:
شبكات دفاع جوي متعددة الطبقات، قدرات تكنولوجية متقدمة، تحالفات أمنية مرنة، واستثمارات ضخمة في التقنيات العسكرية الجديدة.
لكن الدرس الأكثر وضوحاً في هذا التحول جاء من الحرب في أوكرانيا.
ففي تلك الحرب شاهد العالم كيف يمكن لتكنولوجيا منخفضة الكلفة نسبياً – مثل الطائرات المسيّرة وأنظمة الاستطلاع الفضائي – أن تربك جيوشاً تقليدية تمتلك آلاف الدبابات والمدافع.
لقد كشفت تلك الحرب أن الحسم في معارك القرن الحادي والعشرين لم يعد يعتمد فقط على حجم الجيش، بل على القدرة على إدارة شبكة معقدة من التكنولوجيا العسكرية: الأقمار الصناعية، الحرب السيبرانية، أنظمة الاستشعار، والضربات الدقيقة بعيدة المدى.
وهنا تبرز مفارقة جيواستراتيجية لافتة:
فالدول الصغيرة لم تعد بالضرورة أضعف عسكرياً من الدول الكبيرة.
في الحروب التقليدية كان حجم الدولة وعدد سكانها وقدرتها على حشد جيوش ضخمة يمثل عنصر القوة الحاسم. أما اليوم فقد تغيرت المعادلة. فالدولة التي تمتلك منظومات دفاع جوي متقدمة، وقدرات حرب إلكترونية، وشبكة تشغيل فعالة للطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، تستطيع أن تفرض معادلة ردع حتى لو كانت محدودة المساحة والسكان.
لهذا السبب تحديداً اتجهت بعض دول الخليج إلى بناء منظومات أمنية تعتمد على التكنولوجيا والشبكات والتحالفات المرنة بدلاً من نموذج الجيوش التقليدية الثقيلة.
فالتحول الأعمق في طبيعة الحرب يتجاوز مجرد تراجع دور الجيوش التقليدية. فالعالم يتجه تدريجياً نحو شكل جديد من الصراعات يمكن وصفه بـ”حروب الشبكات”.
الأقمار الصناعية تراقب السماء، والطائرات المسيّرة تجوب المجال الجوي لساعات طويلة، والأنظمة السيبرانية قادرة على تعطيل البنية التحتية لدولة كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة. أما الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى فهي قادرة على إصابة أهداف استراتيجية على بعد آلاف الكيلومترات خلال دقائق.
في مثل هذا العالم لم تعد الحرب معركة جيوش تتحرك على الأرض بقدر ما أصبحت صراع منظومات تكنولوجية تتحكم في الفضاء والمعلومات والاتصال.
ولهذا ربما لم يكن التحفظ الخليجي على بعض الطروحات العسكرية التقليدية مجرد خلاف سياسي، بل انعكاس لفهم مختلف لطبيعة الحروب في القرن الحادي والعشرين.
ففي عالم الحروب الجديدة لم يعد السؤال: كم جندياً تمتلك الدولة؟
بل السؤال الأهم:
كم شبكة تكنولوجية تستطيع تشغيلها… وكم قراراً سيادياً
تستطيع حمايته؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى