رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : جنت على نفسها براقش .. الخليج إلى الخراب والافقار .!!!

جنت على نفسها براقش .. الخليج إلى الخراب والإفقار

ميخائيل عوض  / لبنان 

أولاً : الخليج إلى الإفقار والخراب : حين تتحول الثروة إلى حطام الزوال

في قلب التحولات الجيوسياسية العنيفة التي تعصف في اليوم الرابع عشر لحرب يوم القيامة، يبرز الخليج  بوصفه إحدى أكثر المناطق عرضة لارتدادات الحرب منذ الساعات الأولى لحصول العدوان الأميركي الإسرائيلي. فالمفارقة التاريخية التي تقوم على فكرة صادمة ،  المنطقة التي راكمت خلال نصف قرن أكبر فوائض مالية في العالم هي  اليوم الأكثر عرضة لخطر الانهيار الاقتصادي والسياسي.
فمنذ الطفرة النفطية التي أعقبت حرب 1973، تشكل نموذج خليجي يقوم على ثلاث ركائز رئيسية: الثروة النفطية الضخمة، والحماية العسكرية الأميركية، والدور السياسي المرتبط بالمنظومة الغربية. ومع مرور الزمن تحولت هذه الركائز إلى قاعدة لبناء مدن فائقة الحداثة واقتصادات خدماتية ضخمة، وأدوار سياسية إقليمية واسعة تجاوزت حدود القدرة الفعلية لتلك الدول.
غير أن الحرب الراهنة، أعادت طرح سؤال جوهري حول هشاشة هذا النموذج  بدول الرمال والزجاج الوهمية، فدول الخليج التي تحولت إلى مركز للقواعد العسكرية الغربية وممرات الطاقة العالمية، تجد نفسها اليوم في موقع خط تماس مباشر مع الصراع، ما يجعل بنيتها الاقتصادية والأمنية عرضة لاهتزازات غير مسبوقة.
ومن هنا يستعيد التحليل المقولة العربية القديمة «جنت على نفسها براقش»،  إن السياسات التي انتهجتها بعض الأنظمة الخليجية خلال العقود الماضية – من تمويل الصراعات الإقليمية، والانخراط في مشاريع الهيمنة الغربية، ولعب دور المنفذ لكل خطط الاعتداء على الدول من سوريا واليمن والعراق والصومال والسودان لإعادة تشكيل خرائط المنطقة وفق مخطط إسرائيل الكبرى ثم تصدرها عنوان الابراهيمية –  تعود اليوم لتصيبها كل أفعالها ورهاناتها في صميم أمنها الاقتصادي والاجتماعي.
فالحرب، كما يرى هذا الطرح، لا تهدد فقط المنشآت النفطية أو طرق التجارة، بل  ستضرب الأساس الذي قامت عليه «مدن الرمال والزجاج»:
اقتصاد يعتمد على الاستقرار المطلق، وبنية سكانية يغلب عليها الوافدون، ونظام أمني قائم على الحماية الخارجية.
بهذا المعنى، لا يعود الخليج مجرد ساحة جانبية في الحرب، بل سيتحول إلى أحد أبرز ميادين نتائجها الاستراتيجية. فإما أن ينجح في إعادة تموضعه خارج منطق الصراعات الكبرى، أو أن يجد نفسه – لأول مرة منذ نصف قرن – أمام سيناريو غير مسبوق خراب هذه الكيانات المصنعة وإفقارها وهي التي تستورد 80% من غذائها وتعيش في صحراء تصل درجة الحرارة فيها إلى 64 مئوية في الصيف ما يجعلها حال  انقطاع الكهرباء عنها تحول أفران حارقة، وهي التي تشرب المياه بعد معالجتها في محطات التحلية ما يجعل استهداف هذه المحطات لأي سبب يعني أن تشرب الماء المالح، والأخطر أن دستور الحرب التي اشترط فيها القائد مجتبى خامنئي بند التعويضات بأي مسار حصل سواء دفعت التعويضات لإيران فهي ستكون من دول الخليج أو سواء قرر الإيراني ان يأخذها بنفسه فسيأخذها من الأصول الأمريكية في الخليج  وأما إن قرر أن يدمر من البنية بقدر ما دمرت أمريكا في الحرب فالخليج هو ساحة التدمير  إن مشهد الخراب هذا لم يكن يوما” سيناريو مطروح حتى في الخيال هو اليوم أمر واقع جنته دول الخليج على نفسها بما صنعت.

*ثانياً:حرب تتجاوز سقف “الأيام الاثني عشر”*
إن التقديرات السياسية والعسكرية التي سبقت الحرب رجحت أنها ستكون مواجهة قصيرة، ربما شبيهة بحرب محدودة لا تتجاوز بضعة أيام أو أسبوعين. غير أن الحرب تجاوزت هذا السقف الزمني، ما يعني  – أن حسابات الردع التقليدية لم تعد تعمل بالطريقة نفسها.
ففي الجولة السابقة من المواجهة، أعلن الرئيس الأميركي ترامب أنه تدخل لإنقاذ إسرائيل من التدمير، مؤكداً ذلك كلام وزير الدفاع الإيراني أن الذي قال استمرار الحرب أياماً إضافية ثلاث  كان سيؤدي إلى زوال إسرائيل. لكن استمرار المواجهة الحالية وتوسعها يطرح سؤالاً جوهرياً:
هل لا تزال الولايات المتحدة قادرة على إنقاذ إسرائيل كما في السابق؟
إن طول أمد الحرب يعني أن الصراع خرج من إطار الضربة المحدودة ويبدو أن احتواء المشهد لن يكون ممكنا” وترامب الذي أنقذ إسرائيل من أن تدمرها  إيران يبدو اليوم عاجزا” عن وقف تدمير إسرائيل وقواعده العسكرية وأصوله الاقتصادي واللوجستية في الإقليم.

*ثالثًا: نهاية مرحلة «الساداتية والسعودة»*
وبالعودة إلى مرحلة ما بعد حرب أكتوبر 1973، حين نشأت منظومة سياسية إقليمية تقوم على ركيزتين:
التحول المصري نحو التسوية مع إسرائيل بقيادة السادات ،
صعود النفوذ الخليجي النفطي بقيادة السعودية.
والثاني إنكفاء المشروع القومي على نفسه والهروب نحو القطرية من خلل في مسار التاريخ استمر لعقود،
إذ في هذه المرحلة تراجع المشروع القومي العربي، وتقدمت منظومة سياسية جديدة قائمة على:
التحالف مع الولايات المتحدة
الاعتراف الواقعي بإسرائيل
تحويل الخليج إلى مركز الثقل الاقتصادي والسياسي
إن هذه المنظومة دخلت الآن مرحلة الانهيار في خطوة تصحيح حتمي لمسار بدأ خاطئ.

*رابعًا: «إمبراطوريات الرمال والزجاج»*
إن  ما يسميه صعود الدور المبالغ فيه لدول الخليج الصغيرة، مثل الإمارات وقطر والبحرين والكويت
ويصفها بأنها «إمبراطوريات افتراضية» قامت على ثلاثة عناصر:
– الثروة النفطية الضخمة
– الحماية الأميركية
– النفوذ الإعلامي والمالي
وبحسب تحليله، فإن هذه الدول دخلت في أدوار إقليمية واسعة خلال العقدين الماضيين، من:
التدخل في ليبيا ولبنان إضافة إلى التأثير في الحرب السورية
والمشاركة في التحالفات العسكرية وتمويل صراعات إقليمية متعددة
لكن الحرب الحالية – في رأيه – كشفت حدود هذا النفوذ.
فلا يمكن لدول بحجم الفأر أن ترتدي ثوب الأسد وتقود المنطقة دون أن تجبرها البيئة الاستراتيجية والظرف الموضوعي والحتمية التاريخية أن تخرج من هذا الثوب لتعود إلى حجمها الحقيقي وهذا ما تفعله هذه الحرب.

*خامساً: لحظة انكشاف الحماية الأميركية*
أحد أهم نتائج الحرب هو أنها  أظهرت عجز  الولايات المتحدة على حماية حلفائها في المنطقة.
إن الاستراتيجية الأميركية التقليدية التي قامت على نشر القواعد العسكرية
و بيع السلاح و استخدام الحلفاء كأدوات في الصراع كانت خدعة استنزفت الخليج فيها مليارات الدولارات لعقود طويلة.
لكن في لحظة المواجهة المباشرة، لن تكون أمريكا مستعدة لخوض حرب شاملة دفاعاً عن تلك الدول. بل أكثر من ذلك هي لم تهتم أصلا” بإعلام هذه الدول عن قرار الحرب ولم تفكر للحظة بأن   دول الخليج أصبحت أهدافاً مباشرة للصراع.

*سادسا” عقيدة «التعويضات» الإيرانية التي أرعبت الخليج*
خطاب القائد مجتبى خامنئي الذي تحدث عن مبدأ أصلي وضعه هو دستور وإجراء لازم التنفيذ وهو “التعويضات” الكلمة التي أرعبت كل الأطراف من جانب أمريكا وأدواتها.
إيران ستطالب بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بها.
وإذا لم تُدفع هذه التعويضات، فإن طهران ستأخذها بنفسها وإن تعذر ستعمل استهداف المصالح الأميركية
ضرب الشركات المرتبطة بها
الضغط على حلفائها الإقليميين
وهذا يفتح الباب أمام نمط جديد من الحروب الاقتصادية والعسكرية في المنطقة التي سيكون الخليج هو ساحة التنفيذ الأساسية لأي سيناريو تعويض تقرره إيران.

*سابعًا: هشاشة البنية الديموغرافية في الخليج*
التركيبة السكانية في الخليج.
ففي دول مثل الإمارات على سبيل المثال يشكل الأجانب نسبة تقارب 90٪ من السكان.  إن هذه البنية تجعل الدول الخليجية شديدة الحساسية لأي اضطراب كبير.
وفي حال انهيار الأمن أو الاقتصاد،  يؤدي ذلك إلى
هجرة جماعية للعمالة الأجنبية
تترافق مع شلل اقتصادي و
انهيار سريع في الخدمات الأساسية. فهل تعود مدن الرمال صحراء خالية أم تصبح ساحة صراع بين الأجانب أنفسهم خاصة من الهند للسيطرة عليها؟ بعد كل ما تعرضت له العمالة الوافدة من اضطهاد وتمييز في دول الخليج.

*ثامنًا: الحرب وتغير ميزان الردع*
من النقاط العسكرية  ومسألة تطور قدرات الدفاع الجوي الإيراني.
إن إيران استطاعت خلال السنوات الماضية تطوير منظومات دفاعية محلية مثل منظومة خرداد، إضافة إلى تقنيات مشابهة لمنظومات:
S-200
S-300
ويعتقد أن هذه القدرات تسمح لإيران بإسقاط طائرات متقدمة أو طائرات استطلاع استراتيجية، ما يغير ميزان التفوق الجوي التقليدي في المنطقة.
فالمؤشرات الميدانية باتت أكثر دلالة ان الحرب تميل تدريجياً وبشكل متسارع لصالح إيران ومحور المقاومة .
فإسرائيل قادرة على التدمير والقتل والمزيد منه لكنها عاجزة عن تحقيق أهداف استراتيجية حاسمة
بينما يزداد الضغط عليها مع طول أمد الحرب وتحويلها لحرب استنزاف يقودها صانع السجاد على آلة حياكة يدوية بمهارة وعبقرية إعجازية وبدقت ترصد الدقائق وتنسج بدقة تتالي المفاجآت والتنسيق الناري واللوجستي العالي بين جبهات محور المقاومة والاحتفاظ بالكثير من الأوراق التي لم تستخدمها إيران حتى الآن وفي مقدمتها سيد البحار اليمني.

  *تاسعاً: جنت على نفسها براقش: حين يدفع صانعو الخراب ثمنه ثم يسقطون في أخطر مستنقعاته*
في المحصلة، لا تقود هذه الحرب إلى مجرد إعادة ترتيب خطوط التماس العسكرية، بل تكشف عن لحظة تاريخية يعاد فيها فرز القوى والوظائف في الشرق الأوسط. فالمنطقة التي بُنيت خلال نصف قرن على توازن هش بين المال النفطي والحماية الخارجية والتدخل في تأجيج صراعات الآخرين، تجد نفسها اليوم أمام معادلة مختلفة تماماً: كل طرف ساهم في إشعال الحرائق قد يجد نفسه أول من يحترق بها.
من هنا نفهم استعادة التحليل الدقيق للمثل الشهير «جنت على نفسها براقش»، بوصفه وصفاً مكثفاً لمصير منظومات سياسية كاملة شاركت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في صناعة البيئة التي انفجرت منها هذه الحرب. فحين تتحول الثروة إلى أداة للهيمنة، والإعلام إلى أداة للتحريض، والتحالفات إلى أدوات لإعادة تشكيل الخرائط بالقوة، يصبح من الطبيعي أن يرتد الخراب على صانعيه.
لكن المفارقة أن براقش في هذه الحرب ليست واحدة. فالمشهد الإقليمي يكشف عن عدة «براقش» سياسية قد تظهر تباعاً مع اتضاح نتائج الحرب:
براقش الأنظمة التي راهنت على الحماية الأميركية المطلقة.
براقش المشاريع التي توهمت أن المال يمكن أن يصنع القوة الجيوسياسية.
براقش النخب التي شاركت في تفكيك الدول العربية أو تمويل حروبها الداخلية.
براقش المؤسسات الإعلامية التي عملت على تسطيح الوعي وتغذية خطاب الانقسام والكراهية وتعميق شعور الهزيمة والتخاذل.
وبراقش القوى التي اعتقدت أن الانخراط في الصراع الإسرائيلي – الإيراني سيمنحها دوراً أكبر من حجمها الحقيقي.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الساحة اللبنانية عن هذه المعادلة. فلبنان حكومة ابو عمر المزيفة يقف مرة أخرى عند مفترق تاريخي شديد الحساسية. فالدولة اللبنانية إن استمرت في سياساتها، ستكون جزءاً من هذا المشهد الذي ينطبق عليه المثل ذاته. فقد تصبح حكومة لبنان إحدى براقش الجديدة في المشهد الإقليمي؛ أي طرفاً ساهم في صنع الظروف التي ترتد عليه لاحقاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
غير أن التاريخ يترك دائماً نافذة أخرى:
إما أن تتحول الدول إلى أدوات في صراعات الآخرين فتجني على نفسها،
أو أن تدرك مبكراً قواعد التحول الكبير فتنجو من المصير نفسه.
ولهذا فإن السؤال الذي ستجيب عنه الأيام القليلة المقبلة ليس فقط من انتصر في الحرب، بل أيضاً كم من براقش ستنكشف في الشرق الأوسط بعد انقشاع دخانها؟
وهل سيتحول بعض اللاعبين الصغار الذين ساهموا في إشعال الصراع إلى أول ضحاياه؟
ففي لحظات التحول الكبرى، لا ينجو من العاصفة إلا من يعرف حدود قوته… أما الفأر الذي توهم أنه أسد وهو يرتدي جلده فقط، فغالباً ما يكون أول من يتعرى في مشهد البداية لا النهاية.

🖋 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى