رؤي ومقالات

السفير أحمد مجاهد يكتب :ما بعد الحرب: من يملأ الفراغ الاستراتيجى فى الشرق الأوسط؟

المعضلة العربية (٣/٤)

السؤال الذى يفرض نفسه الآن هو: أين يقف العرب فى المعادلة الإقليمية القادمة؟
ففى هذا المشهد المزدحم بالمشروعات المتنافسة لإعادة تشكيل النظام الإقليمى، يواجه العالم العربى معضلة استراتيجية حقيقية. فبينما تتنافس عدة قوى إقليمية ودولية على تحديد شكل التوازن الجديد فى الشرق الأوسط، يبدو الدور العربى حتى الآن أقل وضوحا وطموحا فى صياغة تصور متماسك للنظام الذى قد ينشأ بعد الحرب الأمركية-الإسرائيلية ضد إيران.
ولفهم هذه المسألة بصورة أدق، ينبغى الانطلاق من مفهوم الأمن الإقليمى.
يشير هذا المفهوم إلى مجموعة الترتيبات والآليات التى تتبناها دول منطقة معينة، بصورة منفردة أو جماعية، بهدف إدارة مصادر التهديد المشتركة، وبناء قدر من الاستقرار والتنسيق الأمنى والسياسى فيما بينها. ولا يقوم الأمن الإقليمى بالضرورة على تحالفات عسكرية صلبة، بل يشمل أيضا إجراءات بناء الثقة، والتنسيق السياسى، وإدارة النزاعات، والتعاون فى مواجهة التحديات الأمنية المشتركة، العسكرية وغير العسكرية.
وفى حالة الشرق الأوسط تبدو هذه المسألة أكثر تعقيدا.
فمنطقتن تظل واحدة من أكثر مناطق العالم كثافة فى الصراعات، حيث تتداخل الصراعات بين الدول مع الصراعات داخل الدول، وتتقاطع معها تنافسات القوى الكبرى على موارد الإقليم ومستقبله الجيوسياسى. فبالإضافة لطرفى الحرب الراهنة -إيران وإسرائيل- يكفى النظر إلى ساحات فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق وليبيا والسودان لفهم مدى اتساع هذه الدائرة من الصراعات، وتأثيرها ليس فقط فى أمن المنطقة، بل فى الأمن الدولى أيضا.
غير أن المعضلة العربية لا ترتبط فقط بطبيعة البيئة الإقليمية، بل تتعلق كذلك ببنية النظام العربى نفسه.
فالعالم العربى ليس كتلة استراتيجية واحدة، بل فضاء سياسى متنوع تتباين فيه أولويات الأمن القومى، وتختلف فيه تقديرات التهديدات، كما تتفاوت فيه القدرات الاقتصادية والعسكرية بصورة كبيرة. ولذلك فإن أحد التحديات الأساسية أمام أى تصور لدور عربى فى النظام الإقليمى الجديد يتمثل فى كيفية إدارة هذا التباين الداخلى فى المصالح والتصورات.
ففى حين تنظر بعض الدول والشعوب العربية إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجى الأبرز وترى أنه يمكن التعامل مع إسرائيل باعتبارها لا تمثل خطرا مباشرا عليها، تتعامل معظم دول وشعوب المنطقة مع إسرائيل باعتبارها التهديد الأكبر والخطر الأكثر إلحاحا، وبصفة خاصة فى ظل صعود اليمين الإسرائيلى المتطرف واتساع النزعة التوسعية فى سياساته وممارساته. فالمشكلة هنا لا تتعلق فقط باستمرار الاحتلال، بل أيضا بمحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، والإجهاز على القضية الفلسطينية، ومواصلة الحرب المدمرة على غزة بما تضمنته من قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، إلى جانب الضغوط الرامية إلى التهجير وتفريغ الأرض من سكانها، فضلا عما تتسبب فيه هذه السياسات الإسرائيلية أيضا من ضغوط داخلية فى للدول العربية التى تهتم شعوبها بالمسألة الفلسطينية.
وهناك أيضا دول عربية ترى أن الأولوية الاستراتيجية يجب ألا تُختزل فى منطق المواجهات الإقليمية المباشرة، بل أن تشمل كذلك حماية استقرار الدول من الداخل، ودفع مسارات إعادة الإعمار، والتركيز على التنمية الاقتصادية وإعادة هيكلة الاقتصادات الوطنية فى مواجهة بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
ويظهر هذا التباين أيضا فى المواقف من قضايا إقليمية أخرى، مثل مستقبل سوريا، أو طبيعة الترتيبات الأمنية فى الخليج، أو حدود الانخراط فى المنافسة الجيوسياسية الأوسع بين الولايات المتحدة والصين. ومن ثم، فإن بناء موقف عربى متماسك تجاه النظام الإقليمى الذى يتشكل يواجه عقبة أساسية تتمثل فى اختلاف أولويات التهديد وتباين تقديرات المصالح بين الدول العربية نفسها.
ومع ذلك، تطرح اللحظة الراهنة مفارقة مهمة. فرغم التباين فى مصالح الدول العربية، إلا إن التحولات الجارية فى ميزان القوى الإقليمى منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ والضغوط المفاجئة التى تسببت فيها قد تجعل من الصعب على هذه الدول أن تستمر فى التعامل مع النظام الإقليمى بوصفه مجرد بيئة خارجية تتكيف معها كل دولة على حدة. لإن إعادة تشكيل النظام الإقليمى تعنى فى النهاية إعادة توزيع القوة والنفوذ داخل المنطقة، وهو أمر يصعب أن يظل العالم العربى فيه مجرد ساحة تتقاطع فوقها استراتيجيات الآخرين.
لقد نظر كثير من الحكومات العربية، طوال سنوات، إلى الاستراتيجية الإقليمية لإيران باعتبارها أحد أهم مصادر عدم الاستقرار فى المنطقة، خصوصا من خلال شبكات النفوذ التى بنتها طهران فى عدد من الدول العربية. ومن ثم، قد ترى بعض الدول العربية أن إضعاف النفوذ الإيرانى يمثل تطورا إيجابيا يخفف قدرا كبيرا من الضغوط الاستراتيجية التى تعرضت لها دول المنطقة.
غير أن المسألة أكثر تعقيدا من مجرد تراجع نفوذ طرف إقليمى.
فالنظم الإقليمية تقوم عادة على نوع من التوازن بين عدة قوى رئيسية، حتى وإن كان هذا التوازن غير مستقر. وعندما يضعف أحد هذه الأركان بصورة حادة، فإن النتيجة لا تكون بالضرورة مزيدا من الاستقرار، بل قد تؤدى إلى سباق جديد بين القوى الأخرى لملء الفراغ الذى ينشأ.
وتظهر هنا مفارقة استراتيجية مهمة كما سبق الإيضاح. فإضعاف إيران قد يحد من قدرتها على العمل كقوة إقليمية تقليدية، لكنه يدفعها فى الوقت نفسه إلى الاعتماد بصورة أكبر الآن أو لاحقا على أدوات الردع غير المتماثلة، مثل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والحرب البحرية غير المتكافئة وشبكات النفوذ المحلية وعمليات التخريب الانتقامية. وفى بيئة جغرافية مثل الخليج، حيث تتركز منشآت الطاقة والممرات البحرية الحيوية، يمكن لمثل هذه الأدوات أن تمنح طهران قدرة مستمرة على إحداث اضطراب استراتيجى حتى فى حال تراجع قدراتها العسكرية التقليدية.
فى هذا السياق، يتوقع أن تعود بعض التصورات إلى الطفو على السطح، والتى قد تبدو للوهلة الأولى حلولاً عملية لملء الفراغ الاستراتيجى، لكنها تثير فى الوقت نفسه إشكاليات أعمق على المدى الطويل.
أول هذه التصورات هو فكرة إنشاء تحالف عسكرى إقليمى واسع يشار إليه أحيانا ب «الناتو العربى». ويقوم هذا التصور على تعزيز التنسيق الدفاعى بين عدد من الدول العربية فى إطار مؤسسى لمواجهة التهديدات الإقليمية تحت مظلة أمريكية مباشرة.
غير أن هذا الطرح يثير عدة تساؤلات. فالتحالفات العسكرية الصلبة لا تنشأ عادة فى لحظات السيولة الاستراتيجية، بل فى مراحل يكون فيها ميزان القوى مستقرا نسبيا وتكون خطوط الصراع واضحة. أما فى بيئة إقليمية ما زالت فى طور التحول، فقد يصبح مثل هذا التحالف إطارا يكرس الاستقطاب الإقليمى بدلا من احتوائه.
كما أن التجربة الإقليمية تظهر أن المشكلة لا تكمن فقط فى إنشاء التحالفات، بل فى قدرتها على العمل الفعلى. فالتباين الكبير فى تقدير التهديدات بين الدول العربية قد يجعل من الصعب بناء عقيدة عسكرية مشتركة أو نظام قرار جماعى فعال. وإضافة إلى ذلك، فإن كثيراً من التصورات المطروحة لهذا التحالف تربطه عملياً بالبنية الاستراتيجية للولايات المتحدة، وهو ما قد يجعله امتدادا لترتيبات أمنية خارجية لا إطارا عربيا أو حتى شرق-أوسطيا مستقلا، وهو أمر قد لا تقبله بعض دول المنطقة، لا سيما بعد وقائع الحرب الجارية.
أما التصور الثانى فيتعلق بالدمج التدريجى لإسرائيل فى بنية الأمن الإقليمى أو تحويلها إلى مركز محورى فى منظومة الردع فى الشرق الأوسط. لكن هذا التصور يطرح بدوره إشكاليات عميقة. فإسرائيل ليست مجرد دولة أخرى داخل التوازن الإقليمى، بل فاعل نشأ فى قلب المنطقة عبر مشروع استيطانى إحلالى أدى إلى اقتلاع الشعب الفلسطينى من أرضه واستمر طوال عقود فى توسيع السيطرة على الأراضى بالقوة العسكرية والاستيطان.
ومن ثم فإن إدماج إسرائيل فى قلب منظومة الأمن الإقليمى لا يعنى فقط إعادة ترتيب موازين القوة، بل يعنى أيضا إعادة تعريف طبيعة النظام الإقليمى نفسه. فالدولة التى تقوم عقيدتها الأمنية على التوسع المستمر والتفوق العسكرى الدائم والضربات الوقائية ستميل بطبيعتها إلى استخدام القوة وفقا لعقيدتها العسكرية -والدينية- الراسخة للحفاظ على هذا التفوق، وهو ما قد يجعل النظام الإقليمى أكثر عرضة لدورات متكررة من المواجهات والتصعيد والمقاومة بدلا من أن يصبح أكثر استقرارا.
وفى قلب هذه المعادلة تقف دول الخليج أمام مفارقة استراتيجية معقدة. فعلى مدى عقود شكّل الوجود العسكرى الأمريكى فى الخليج حجر الأساس لمنظومة الردع الإقليمى. لكن الحرب الجارية كشفت الوجه الآخر لهذه المعادلة، إذ إن القواعد العسكرية التى توفر مظلة الحماية قد تجعل الدول التى تستضيفها أهدافا مباشرة فى أى مواجهة إقليمية واسعة.
وهكذا يجد الخليج نفسه أمام معضلة مزدوجة: تقليص الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية قد يضعف الردع، لكن الإبقاء عليها دون مراجعة شروطها قد يعيد إنتاج الهشاشة التى كشفتها الحرب.
غير إن المعضلة العربية الأوسع لا تتعلق بالخيارات الدفاعية فحسب، ولكن كذلك بطبيعة الدور العربى فى النظام الإقليمى الذى يتشكل.
ففى ظل تعقيد المشهد الإقليمى، قد يكون التفكير الأكثر واقعية هو البحث عن صيغ تدريجية لبناء قدر من الأمن الإقليمى العربى أولا، تبدأ -على سبيل المثال- بإجراءات لبناء الثقة العربية-العربية ومن أهمها توحيد الموقف تجاه القضية الفلسطينية، وتسوية النزاعات فى ليبيا والسودان واليمن والصومال، وتسوية الموقف مع إيران ما بعد الحرب، وتحديد مصادر التهديد المشتركة، وتطوير مجالات التعاون الممكنة بين الدول المستعدة لذلك، والتحدث المشترك الصريح مع الولايات المتحدة لقبول هذا التوجه بشروط جديدة، وربما التوافق العربى على التلويح بصيغة ما لإدخال روسيا والصين أيضا فى المعادلة الإقليمية، وتوسيع مساحة العمل المشترك مع تركيا.
وفى هذا السياق يجدر التذكير بأن مصر سبق لها طرح مقترح إنشاء قوة عربية مشتركة عام ٢٠١٥، بهدف تعزيز قدرة الدول العربية على التعامل مع التهديدات الإقليمية المتزايدة، خاصة فى ظل تصاعد موجة الحروب الأهلية والتنظيمات المسلحة فى المنطقة آنذاك. غير أن هذا المشروع لم يكتب له أن يتبلور فى ذلك الوقت نتيجة تباين التقديرات السياسية بين الدول العربية بشأن طبيعة المهام وآليات القرار والقيادة. ومع ذلك فإن التحولات الاستراتيجية الجارية اليوم قد تجعل تجديد طرح الاقتراح المصرى أمرا ممكنا.
وفى النهاية تبقى حقيقة أساسية: أن قلب الشرق الأوسط وأغلبيته السكانية والجغرافية هو العالم العربى، وفى ضوء تطورات السنين الأخيرة، لم تعد لدى الدول العربية الفاعلة رفاهية ترك صياغة ترتيبات الأمن الإقليمى للقوى الكبرى أو للقوى الإقليمية الأخرى وحدها.
والسؤال الذى سيحدد مكان ومكانة العرب فى النظام الإقليمى القادم ليس فقط ما إذا كانوا قادرين على مواجهة التحديات الخارجية، بل أيضا ما إذا كانوا قادرين على إدارة تبايناتهم الداخلية بطريقة تسمح لهم بالانتقال من موقع “الساحة” إلى موقع ‘الفاعل” فى صياغة النظام الإقليمى الذى سيكون قيد التشكل”. عقب الحرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى