دراسة نقدية حول قصة “درسٌ لا يُنسى” للكاتبة نجاح الدروبي.. بقلم الشاعر قاسم عبدالعزيز محمد الدوسري

درسٌ لا يُنسى
تجمَّعَ الأولادُ قبل موعد الأذان حولَ المدفأةِ ينعمون بالدفء؛ وأمُّهم داخل المطبخ تجتهدُ في إعداد أصناف كثيرةٍ من الطعام.
كانوا من الداخل يسمعون صوت انهمار المطر ورعد البرق الذي يُومضُ من خلال النافذة، وبين أقدامهم كانت القطَّةُ السَّمينةُ تجلسُ على ذيلها الأبيض الناعم تراقب بعيْنَيْهَا السوداوتين اللتين تومضان وميض البرق أكفَّ الأولاد وهم يداعبونها بأصابعهم الصغيرة.
فجأةً سمعوا صوت الجرس يرنُّ فتراكضوا من مكانهم يدفعهم الفضول لمعرفة الطارق فإذا به والدهم عاد من العمل وهو يحمل لهم الفاكهة وبعض الحلويات التي جعلت لعابهم يسيل ونفوسهم تتوقُ لتناول قطعة منها؛ لكنَّ الصيام منعهم من فعل ذلك فعادوا أدراجهم وجلسوا أماكنهم.
دخل الأب فسحة الدار، واتَّجه نحو المطبخ فرأى زوجته تُجهِّز الطعام.. ألقى عليها التحيَّة وأعطاها زجاجة الدواء لجارتهم المريضة، ثم ذهب إلى الغرفه فغيَّر ملابسه وعاد من جديد إلى زوجته يساعدها قدر الإمكان، والأولاد في الداخل يحلمون بالطعام وقد شعر كلٌّ منهم بتقلُّصات معدته الفارغة وسمعوا ما صدر عنها من أصوات.
حاول البعض أن يشغلوا أنفسهم بكتابة الوظائف وحفظ الدروس، فيما ذهب البعض الآخر إلى والدتهم لتقديم المعونة لها علَّهم يقتلون وحشة الوقت الطويل الذي غدا فيه سيره كسلحفاةٍ بطيئة.
اشتمَّتِ القطَّةُ رائحةَ الطعامِ فركضت باتجاهه لتجدَ الوعاء مليئاً بالعظام فأخذت تأكل بشرهٍ، بينما كان الجميع ينظرون إليها بحسدٍ، ثمَّ نادتِ الأمُّ لابنها “كرم” قائلةً:
-سكبْتُ بعض الطعام إلى جارتنا أمِّ أحمد المريضة.. أعطِ هذا لها مع زجاجة الدواء واسألها إن كانت تحتاج شيئاً، ثمَّ عُدْ بسرعة!.
فعل “كرم” ما طلبته والدته فشعر براحة داخليَّة لمساعدة العجوز الوحيدة، وفرح لانقضاء زمنٍ من الوقت دون انتظار.. بعد أن كان يمرُّ بتثاقلٍ كخطوات عجوزٍ كهل.
عندما اقترب موعد الأذان تحلَّق الجميع حول المائدة العامرة بأنواع كثيرة من الطعام الشهي حتى لم يبقَ مكانٌ للماء، بينما تصاعد البخار من الأوعية الساخنة التي أُنزلت للتوِّ من فوق النار.. وما إن سمعوا الأذان حتى بدأوا في أكلهم كالنَّهم الحيران، إلى أن أحسُّوا بالتُّخمة وغدت معداتهم ثقيلة كالهمِّ العظيم، فتمدَّدوا على الفراش يتوجَّعون ويتألَّمون ويصرخون، والأمُّ حائرة لا تعرف ماذا تفعل فيما كان قلبها يتقطَّع على فلذات أكبادها المساكين إلى أن أشار الأبُ إليها أن تأتي لهم بشرابٍ ساخنٍ يُسَكِّنُ أوجاعهم ويُعلِّمهم درساً لن ينسوه كلَّ أيام السنين.
شرب الأولاد بما أتت به الأمُّ الحنون، وبعد مرور وقت شعروا بالارتياح واستعادوا ما فقدوه من صحَّة وعافية، ثم استسلموا لنومٍ عميق بجانب قطَّتهم السمينة “لؤلؤة”، تاركين الحلوى اللذيذة والفاكهة الناضجة في ركن الغرفة وهم يعرفون ما سيحصل لهم لو أعادوا الكرَّة مرَّة ثانية.
القاصّة: نجاح الدروبي
العنوان: درسٌ لا يُنسى
ملخص القصة:
في يوم ممطر ورعدي، يتجمَّع الأبناء حول المدفأة، بينما تقوم والدتهم بإعداد أصناف عديدة من الطعام في المطبخ. تجلس القطة السمينة “لؤلؤة” على ذيلها الأبيض وتراقب حركات الأبناء وهم يداعبونها. يرنُّ جرس الباب، فيهرع الأبناء لمعرفة الطارق، فإذا بوالدهم عائداً من العمل.. وبيده الفاكهة والحلويات، لكنهم لا يستطيعون تناولها بسبب الصيام. يعود الأب إلى المنزل، ويساعد زوجته في المطبخ، بينما يحلم الأبناء بالطعام وهم يتضوَّرون جوعاً. تشتمُّ القطَّة “لؤلؤة” رائحة الطعام ثم تأكل العظام، ما يجعل الجميع ينظرون إليها بحسد. تطلب الأم من ابنها “كرم” تقديم الطعام لجارتهم المريضة، فيفعل ذلك ويشعر براحة كبيرة. عندما يحين وقت الإفطار، يجتمع الجميع حول المائدة المليئة بالطعام، فيأكل الأبناء بشراهة، ما يُؤدِّي إلى شعورهم بالتخمة وتوعكهم. تشعر الأم بالحيرة، بينما يقترح الأب تقديم شراب ساخن للأبناء لتهدئة آلامهم. يشرب الأبناء الشراب الساخن فيشعرون بالارتياح، ثم ينامون بجانب القطة لؤلؤة، وقد تعلَّموا درساً لن ينسوه.
عناصر القصَّة:
الشخصيَّات:
الأبناء: يُمثِّلون البراءة والفضول والجوع.
الأم: تُمثِّل الحنان والرعاية والصبر.
الأب: يُمثِّل المسؤوليَّة والمشاركة والحكمة.
كرم: يُمثِّل الطاعة والتعاون والرغبة في المساعدة.
القطة “لؤلؤة”: تمثِّل الطبيعة والغرائز والجمال.
أم أحمد: تُمثِّل الجارة المريضة والوحيدة التي تحتاج إلى المساعدة.
الزمان والمكان: تدور أحداث القصَّة في يوم ممطرٍ ورعديٍّ، في منزل أسرة عربيَّة، في شهر رمضان.
الحبكة: تتبع القصة خطَّاً زمنيَّاً واضحاً، بدءاً من تجمُّع الأبناء حول المدفأة، وانتهاءً بنومهم بعد تعلُّم الدرس.
الموضوع: تتناول القصَّة موضوع الصيام، وأهميَّته في تعليم الصبر والانضباط، ومساعدة المحتاجين.
الأسلوب: تستخدم القاصَّة لغة بسيطة وواضحة، مع بعض الصور البلاغية التي تضفي على القصَّة جمالاً وتشويقاً.
تحليل القصة:
تُقدِّم القصَّة درساً أخلاقياً مُهمَّاً عن الصيام، وهو أهمية الصبر والانضباط، ومساعدة المحتاجين.
تُظهر القصَّة كيف يمكن للصيام أن يعلِّم الأبناء قيمة الطعام والشراب، وكيف يمكن أن يجعلهم يشعرون بآلام الآخرين. كما تبرز دور الأسرة في تربية الأبناء على القيم الأخلاقية الحميدة.
الاستنتاج:
”درسٌ لا يُنسى” قصَّة جميلة ومُؤثِّرة، تُقدِّم درساً أخلاقياً مُهمَّاً بأسلوب شيِّق وجذَّاب.. تتميَّز القصة بشخصياتها الواقعية، وحبكتها البسيطة، وأسلوبها السلس. كما تُعتَبر نموذجاً جيِّداً للأدب القصصي الذي يجمع بين الترفيه والتعليم.
قاسم عبدالعزيز محمد الدوسري