كتاب وشعراء

دراسة نقدية مختصرة حول قصيدة “آية البدء” للشاعر المصري الكبير عباس محمود عامر.. بقلم الأديبة والناقدة: عبير عيد

آيَةُ الْبَدْءِ
الشاعر: عباس محمود عامر

تَفْتَحِينَ نَافِذَةَ النَّهَارِ الْبَيْضَاء
تُشْرِقُ شَمْسُ أُنُوثَتِكِ
فِي الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةْ
تُلْهِبُنِي أَسْرَارُ شُعَاعِهَا
تَبْهِرُنَا أَلْوَانُ السَّرَابِ
عَلَى مَلَامِحِنَا
عَلَى أَذْرُعٍ تُعَانِقُ صَدْرَ الْمَدَارِ
حِينَمَا تَضَمُّ صَفْحَةُ النَّهَارِ
حُرُوفَ الْجَمَالِ عَلَى سُطُورِ الشَّمْسِ
بهَمْسِ الصَّهْدِ النَّارِي
حِينَمَا لَامَسَتْ زَبَدَ الضَّوْءِ
نَزْعَةُ الصَّبَاحِ الْحَارِ
تَمْتَدُّ فِي بُؤْرَةِ التَّوْقْ
تَنْقَبِضُ سِيقَانُ الظَّهِيرَةِ
فِي صَحْوَةِ الْمَارِقِ الْحَارِقْ .

الْأَنِينُ السَّجِينُ
يَكْسِرُ الصَّمْتَ
يَفِرُّ مِنَ الْحَصِينِ
إِلَى مَسَامِعِ الْعَالَمِينْ

حَبِيبَتِي
نَرْتَعِدُ فِي رَفْسَةِ زِلْزَالٍ
لَكِنَّهَا هَزَّةُ الرِّيحِ
لِتُمْطِرَ سَحَابَ الرُّوحِ
فِي رَبْوَتِكِ الْعَطْشَى

هَبَطَتْ بِنَا الْأَرْضُ
كَأَنَّ تُفَّاحَةَ آدَمَ تَحَجَّرَتْ فِي الْحَلْقْ
هُنَا
كَانَتْ آيَةُ الْبَدْءِ
وَالْعَلَقَةُ فِي رَحِمِ الْكَوْنِ
بَاتَتْ نَبْضًا يَدُقْ .

النص: آيَةُ الْبَدْءِ
النقد الأدبي المختصر:
ينتمي النص إلى قصيدة النثر الشعرية الرمزية والتأمُّليَّة التي تتناول ميلاد الحياة والجمال والوجود بأسلوب غني بالصور البصرية والحسِّيَّة. يعتمد الشاعر على لغة تصويرية كثيفة، تتنقل بين “ضوء النهار، حرارة الصباح، الروح والجسد”، حيث تظهر صور مثل: “شمس أنوثتك، زبد الضوء، نبض الكون”. هذه الصور تجعل النص مشحوناً بالرمزيَّة، إذ تُمثِّل الأنوثة والحياة والبداية، مع إيحاءات وجودية وفلسفية عميقة.
يبرز النص اهتماماً كبيراً بالإيقاع الداخلي للكلمات عبر تكرار الحروف والأصوات الصوتيَّة، مثل: “حِينَمَا، حُرُوفَ، حَبِيبَتِي، نَرْتَعِدُ”، ما يُعزِّز جمالية النغمة الشعرية ويخلق إحساساً بالتحرُّك الداخلي للنص. كما أنَّ انتقال النص من الضوء والنهار إلى الأرض ونبض الكون يعطيه بُعداً كونيَّاً، ويعكس قدرة الشاعر على المزج بين الحسي والرمزي والفلسفي.
لغوياً، النص قوي، وسليم من الناحية الأسلوبية، مع استخدام موفَّق للمجاز والاستعارات المُركَّبة، مع بعض التقطيع الشعوري الذي يخدم الإيقاع الداخلي للتعبير عن الولادة والتجدُّد.
يعكس النص قوَّة الشعر الرمزي والوجودي في تصوير لحظة البداية، ويُمثِّل تجربة شعورية وجمالية متكاملة.

الأديبة والناقدة عبير عيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى