
صَخَبُ الباعةِ الجَوّالينَ
يَرِنُّ في أُذُنِ الوادي،
كَصَوتِ الرّيحِ عَلَى أطلالِ أورِ،
أَوْ كَدَوِيِّ المَاءِ في قَنواتِ إريدو المَدفونَةِ.
يُذَكِّرُنِي أَنَّ الحَياةَ سَوقٌ كَبِيرٌ،
وَكُلُّنَا بائِعُونَ قَبْلَ أَنْ نَكُونَ مُشْتَرِينَ.
يَرِنُّ،
يَرِنُّ،
يَرِنُّ…
كَأَنَّهُ نَحيبُ “تَموزَ” فِي المَرَاثِي السّومَرِيَّةِ،
أَوْ صَلاةٌ خَفِيَّةٌ لِإِلهٍ نَسِيَهُ الزَّمَانُ.
يَشُدُّنِي كَطِفلٍ ضَاعَتْ دُميَّتُهُ بَيْنَ الأَزِقَّةِ،
وَالعَتمَةُ تَنْزَحُ مِنْ عَينَيهِ كَالنَّهْرِ الأَصْفَرِ،
لَيسَ لِأَنَّ الدُّميَةَ انْكَسَرَتْ،
بَلْ لِأَنَّ المَدِينَةَ كُلَّهَا تَتَحَوَّلُ إِلَى رَمَادٍ،
وَنَحْنُ نَرْكُضُ خَلْفَ الظِّلِّ،
وَالظِّلُّ يَتَحَوَّلُ إِلَى سَرَابٍ.
تَمْسِكُهُ أُمُّهُ مِنْ ذِرَاعِهِ،
تَسْحَبُهُ،
كَأَنَّهَا تَجُرُّهُ إِلَى جَسَدِ الأَبَدِيَّةِ،
غَيرَ مُبَالِيَةٍ بِأَنَّ الطُّفولَةَ سَتَذُوبُ،
سَتَذُوبُ كَالْمِلْحِ فِي مَاءِ الفُراتِ،
وَتَتْرُكُ عَلَى جَسَدِهِ قِشْرَةً مِنَ الحَنينِ،
حَنيناً إِلَى دُميَّةٍ
سَحَقَتْهَا أَقْدَامُ التَّارِيخِ،
وَصَخَبُ بائِعِينَ لَا يَعْرِفُونَ سِوَى الصَّرْخَةِ.
وَلكِنْ، مَنْ يَعْلَمُ؟
رُبَّمَا الحَنينُ نَفْسُهُ هُوَ الدُّميَّةُ الجَدِيدَةُ،
وَالسُّوقُ العَتِيقُ هُوَ الكِتَابُ
الَّذِي يُقْرَأُ مِنَ الآخِرِ،
فَنَفْهَمُ أَنَّ الفِقدَانَ هُوَ البِدَايَةُ،
وَأَنَّ الضَّيَاعَ فِي أَزِقَّةِ “سوقِ الشُّيوخِ”
هُوَ الخَرِيطَةُ السِّرِّيَّةُ لِوُجُودِنَا.